في مثل هذا اليوم، انطلقت شرارة أشهر وأكبر حرب أهلية في أوروبا خلال القرن العشرين، وهي الحرب الأهلية الأسبانية التي استمرت قرابة ثلاث سنوات. حرب حصدت أرواح مليون شخص. اندلعت نتيجة التمرد على الشرعية وهي شرعية جمهورية.. فقد كانت أسبانيا قبل خمس سنوات من الحرب، قد أعلنت فيها الجمهورية الثانية بعد تنازل ألفونسو الثامن عن العرش. وقبل الحرب الأهلية بخمسة أشهر، كان تحالف الأحزاب اليسارية تسلم السلطة من اليمين في الانتخابات.
شرارة الحرب أطلقتها مجموعة من العسكر بقيادة الجنرال «مولا» في شمال البلاد، والجنرال فرانشيسكو فرانكو في المغرب، والجنرال «كييبو دي يانو» في الأندلس إلى جانب جنرالات آخرين منهم «أستراي» و«سان خورخو». ظهرا أسبانيا خلالها وقد انقسمت بين قوميين انقلابيين بالاضافة إلى الفلانخي والريكيتيس، وجمهوريين قانونيين بقيادة الجبهة الشعبية التي كانت تضم الفوضويين والاشتراكيين والجمهوريين والشيوعيين.
كان الصراع عنيفا داميا بين القوميين بقيادة الجنرال فرانكو وكانت تدعمه إيطاليا الفاشية بقيادة بنيتو موسوليني وألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر. فقد أرسلت الدولتان القوات والدبابات والطائرات لدعم القوميين، وصارت أسبانيا وكأنها ميدان عسكري لاختبار طرق الحرب الحديثة.
أما الجمهوريون فاعتمدوا في حربهم على الدعم السوفييتي بالسلاح والأفراد. في ذلك الوقت كان هناك حظر مفروض من جانب بريطانيا وفرنسا على إرسال الأسلحة، ولم يكن هناك سوى الاتحاد السوفييتي الذي دعم الجمهوريين بالطائرات والطيارين المدربين والدبابات وطواقمها البشرية.
الفريق المتصارع الأول.. القومي الوطني.. استمد قوته في الداخل من القوى المحافظة وتشمل ملاك الأراضي وتنظيم الفلانج الفاشي. والفريق الثاني الجمهوري بقيادة الزعيمين الاشتراكيين لارغو كاباليرو وخوان نغرين والرئيس اللبرالي مانويل أزانا (يمين)، اعتمد على القوى العلمانية في المناطق الصناعية وعلى رأسها أستوريا وكاتالونيا، وكان معهم أيضا إقليم الباسك المحافظ الكاثوليكي الذي ساند الجمهوريين طمعا في حكم ذاتي على غرار كاتالونيا. وساند هذا الفريق موظفو الدولة ومعظم الطبقة الوسطى المتعلمة والشيوعيون المسلحو والفوضويون.
الشرارة الأولى للحرب انطلقت بتمرد وطني يميني للجيش ضد الحكومة الجمهورية اليسارية، ثم تحول القتال إلى ساحة للصراع الإيديولوجي ضمت أجانب بما فيها حكومات من خارج أسبانيا.
كان هناك حوالي 60 ألفاً من المتطوعين من 50 دولة شاركوا في الحرب، بما في ذلك الفرقة الأميركية أبراهام لنكولن. والأكثر من ذلك شارك حشد من الكتاب إلى جانب الجمهوريين، على رأسهم الروائي الأميركي إرنست همنغواي والمؤلف البريطاني جورج أورويل (يسار) والكاتب الفرنسي أندريه مالرو.
كان مشهد الحرب عنيفا في نهاية يوليو من عام 1936، إذ قامت الطائرات الإيطالية والألمانية بنقل جيش الجنرال فرانكو من المغرب إلى إسبانيا في أول عملية نقل جوي لجيش في التاريخ. وبعد وصول إمدادات سوفييتية للجمهوريين، استطاعت قواتهم أن تصد هجوماً كاسحا لقوات فرانكو على مدريد. وقد تسببت الحرب في تدمير مدينة جيرنيكا تدميراً كاملاً بفعل الغارات الجوية في ربيع العام التالي.
وشهد ابريل من عام 1938 ذروة العمليات الحربية بين المتصارعين وذلك خلال قتال شرس للاستيلاء على تورويل. ونجحت قوات فرانكو في أن تصل إلى البحر المتوسط وتشطر بذلك المنطقة التي يسيطر عليها الجمهوريون إلى شطرين. ثم جاءت معركة إبرو، ونجحت قوات الجمهوريين في إعادة توحيد المنطقة.
ولكن في بدايات 1939 نجحت قوات فرانكو في الاستيلاء على كاتالونيا بهجوم كاسح. وفي 27 مارس 1939 سقطت العاصمة مدريد في أيدي تلك القوات. وفي أول ابريل من نفس العام، أعلن فرانكو انتصاره في الحرب. والمنتصر كان رئيسا فعليا لأجزاء من إسبانيا من أكتوبر 1936 وحتى وفاته في عام 1975.
انتصاره في الحرب الأهلية أوصله إلى السلطة، ليحكم أسبانيا بعدها حكما ديكتاتورياً لمدة 36 عاماً متواصلة عن طريق حزب الفالانج حتى وفاته عام 1975 وقد كان عمره آن ذاك 83 عاما. ورغم أن المراقبين مع نهاية الحرب العالمية الثانية توقعوا سقوط فرانكو بعد سقوط هتلر وموسوليني، إلا أن إعلان حياده خلال الحرب الثانية ضمن له البقاء في السلطة. وتاريخيا يرى الكثيرون أن أولى جرائمه التي ارتكبها زبانيته اغتيال الشاعر الإسباني العظيم لوركا. وهي جريمة ظلت تطارده حتى النهاية حتى وفاته.
ويشير كتاب «طغاة التاريخ» للدكتور محمود متولي، إلى أن فرانكو خلال حكمه قام بنفي أكثر من نصف مليون مواطن بعيدا عن أسبانيا. وقيل أنه قام خلال حكمه بإعدام أكثر من 250 ألف مواطن. لقد حكم أسبانيا حكما مستبدا، حتى انه كان يعين كل أعضاء البرلمان «الكارتز» والذي أقامه كمجرد ديكور ديمقراطي. كمم فرانكو الأفواه، وملأ السجون بالمعتقلين وكان لا يطيق أن يسمع كلمة «لا»! فالأحكام العرفية سادت طوال حكمه..
أما المحاكمات فكانت تقام أمام محاكم عسكرية. وبوفاته سقطت الجمهورية وحلت الملكية. ففي 22 نوفمبر 1975 أعلن خوان كارلوس ملكاً لإسبانيا وفي رسالته الأولى إلى شعبه، كشف على الفور عن أفكاره الداعية لإعادة الديمقراطية للبلاد.
إضاءة
خلال الحرب الأهلية الاسبانية، ظهر لأول مرة تعبير الطابور الخامس، وأول من أطلق هذا التعبير هو الجنرال كويبو كيللانو أحد قادة القوات الزاحفة على مدريد وكانت تتكون من أربعة طوابير.
وقال إن هناك طابورًا خامساً يعمل مع الثوار من داخل مدريد ويقصد به مؤيدي الثورة من الشعب.
وترسخ هذا المعنى في الاعتماد على الجواسيس في الحروب واتسع ليشمل مروجي الإشاعات ومنظمي الحروب النفسية التي انتشرت نتيجة الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والغربي.
يشار أيضا إلى أن القاضي الإسباني بالثازار غارثون أعلن في الخريف الماضي ولأول مرة، اختصاص المحكمة الوطنية الإسبانية للنظر في جرائم الحرب الأهلية وأكد أن 19 مقبرة جماعية لقتلى تلك الحرب قد تم تحديدها.
حسن صابر