أدى تفجر المواجهات على مدار الأسبوع الماضي في إقليم شينغيانغ، أو تركستان الشرقية كما يعرف لدى الكثيرين إلى إعادة ملف الوجود الإسلامي في الصين إلى الواجهة. وهو الملف الذي كاد أن يطوى بفعل طغيان قضايا أخرى عديدة سواء على الساحة الدولية أو على ساحة الاهتمامات العربية والإسلامية حتى راح البعض عن حق يصف مسلمي اليوغور في شينغيانغ بالمنسيين في الأرض. ورغم حيوية هذه القضية، إلا أنه من الملفت للنظر عدم وجود دراسات كافية يمكن أن تشبع رغبة الكثيرين في معرفة ما يتعلق بهذه القضية بالشكل الذي يمكن المرء من اتخاذ موقف واضح مما يجري هناك بعيدا عن التهويل، وهو النغمة السائدة حاليا، أو التهوين الذي لا يستند إلى حقائق تعززه على الأرض.
وباستثناء المعلومات التاريخية والتي قد تستند إلى مصدر واحد وتعدد انتشارها عبر مصادر أخرى مختلفة، فإن الاتفاق بشأن أوضاع المسلمين في الصين يكاد أن يختفي. وعلى ذلك فإن أي راغب في الاطلاع على تفاصيل الوجود المسلم في الصين لن يجد كثير عناء من خلال البحث في عدد من المصادر في معرفة كيف وصل الإسلام إلى الصين. وهو حسب المصادر التاريخية عبر محورين بري وبحري الأول عبر غزوات قتيبة بن مسلم الباهلي أما الثاني فيتمثل في البعثات الإسلامية والتي وصلت 28 بعثة حسب إحدى الروايات.
مسيرة الوجود الإسلامي
وقد واصل الوجود الإسلامي هناك تعزيز موقفه على مدار تاريخ البلاد ومن ذلك ما تشير إليه المصادر من ظهور مناطق إسلامية في عهد أسرتي تانغ وسونغ ثم نهضة المسلمين في عصر المغول نهضة كبيرة وزيادة نفوذهم بالدولة.
بعيدا عن الإيغال في أعماق التاريخ فإن نظرة على القرن الماضي وبداياته تشير إلى حيوية الوجود الإسلامي هناك وهو ما يكشف عنه، حسبما تشير موسوعة ويكبيديا، إعلان الحكم الجمهوري أن المسلمين يشكلون أحد عناصر الأمة الصينية الخمس. ووصل الأمر إلى أن المسلمين حكموا أجزاء عدة من الصين بعد سقوط الإمبراطورية في بداية القرن العشرين وإن كانوا يتبعون نظام الحكم المركزي في بكين فيدراليا.
غير أن الضربة الكبرى للوجود الإسلامي في الصين جاءت مع وصول الشيوعيين إلى الحكم في البلاد عام 1949 وذلك رغم المساعدات التي تلقاها الشيوعيون من المسلمين خلال فترة الحرب الأهلية في البلاد، الأمر الذي يمكن القول إنه تواصل طوال حقبة حكم ماوتسي تونغ، وبدا يتفكك إثر رحيله وانتهاج القيادة الصينية نهجا جديدا يتمثل في الانفتاح على الخارج الأمر الذي اقتضى منها تخفيف قبضتها بشكل جزئي على بعض العرقيات التي تناضل في سبيل نيل حقوقها كاملة.
فوضى الأرقام
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه يدور حول عدد المسلمين في الصين؟ هنا فإن التضارب في الأرقام يكشف عن فوضى كبيرة تصل في بعض الأحيان حد التضارب المثير للدهشة. وهنا فإنه بينما يرتفع البعض بعددهم دون تقديم الأسانيد التي يعتمد عليها، فإن تقديرات أخرى تتراجع بالأعداد التي تقدم إلى أخرى يظل كذلك مشكوكا بها. وفيما تذهب بعض الأرقام إلى أن العدد يقدر بنحو 135 مليون نسمة بما يقدر بنحو عشر السكان، تنخفض بهم بعض التقديرات لتصل إلى 50 مليوناً بينما تقول مصادر ثالثة أقرب إلى التعبير عن توجهات الحكومة الصينية بأن العدد لا يتجاوز بأي حال من الأحوال 20 مليون نسمة. ومع الوضع في الاعتبار أن هذا الاختلاف يعكس في جانب منه رغبة صينية في التمويه وعدم معرفة الرقم الحقيقي، إلا أن هذا المستوى من الاختلاف يعكس غياب جهد حقيقي على الصعيد الإسلامي لتقديم رقم موثوق به ويمكن الاعتداد به في التعامل مع هذه القضية. غير أنه في التعاطي مع مشكلة المسلمين في الصين يجب أخذ عدد من الأمور في الاعتبار منها:
ـ أنه لا يمكن اعتبار سياسات الاضطهاد خاصة في فترة الحكم الشيوعي والتي تتواصل بشكل أو بآخر حتى الآن، سياسة تتركز على المسلمين، وإنما تمتد إلى جماعات دينية وعرقية أخرى. ونشير في ذلك إلى أن القمع امتد خلال إحدى المراحل إلى المسيحيين قامت السلطات الصينية خلالها بحملة قمع على كنائس البيوت حيث كانت مجموعات مسيحية تتعبد في منازل خاصة بعيدا عن الرقابة الرسمية. وتلخص هذه السياسات الفلسفة التي كان يقوم عليها الحكم الصيني بعدم الاعتراف بالأديان، وهو ما انعكس في اضطهاد المنتمين إلى هذه الأديان سواء كانت الإسلام أم المسيحية. ولعله ما يؤكد على ذلك أيضا مقتل العشرات في مارس 2008 في احتجاجات لرهبان بالتبت يطالبون بحقوق أكبر للبوذيين.
ـ من ناحية ثانية إن النظام الصيني لا يتبع سياسة تتسم بالوحدة تجاه المسلمين هناك وإنما يتبع سياسات متنوعة أساسها المنطق البراغماتي وحسبما تملي عليه مصلحته. وهنا فإنه من الجوانب الجديرة بالتوقف عندها ما يشير إليه البعض من اتباعه لسياسة تهدئة مع مسلمي الهوي والذين توجد نسبة كبيرة منهم في إقليم نينجشيا بمنطقة تونجشين. وفي تفسير هذا التوجه يشير البعض إلى أن ذلك يعكس أن هذه الطائفة كانت دوما جزءا من الدبلوماسية الدولية ومن حملة جذب تقوم بها الصين ما يفسر السبب الذي جعل السلطات، وفق هذا الرأي، أكثر تساهلا.
ازدواجية في التعامل
السؤال الذي يثار في مواجهة هذا الطرح هو: لماذا لا يمد النظام الصيني هذا التسامح إلى مسلمي اليوغور، الذين تثور مشكلتهم بين الحين والآخر؟ قد يجد ذلك تفسيره في ضوء حقيقة ان مسلمي اليوغور يسعون إلى تحقيق قدر أكبر من الحكم الذاتي الأمر الذي يراه النظام الصيني قد يعرض البلاد للتفتت حال تحقق هذه المطالب وهو ما يؤدي إلى اتباعه سياسة مماثلة بشأن إقليم التبت، وإلى سياسة متشددة في محاولة لضم تايوان باعتبارها جزءا من الوطن الأم.
ليس في ذلك تأييد بأي حال لهذه السياسة وإنما هو محاولة لتمثلها وفهمها بالشكل الذي يتيح معرفة السبل والطرق المثلى للتعاطي معها سواء من قبل مسلمي اليوغور أو من قبل العالم العربي والإسلامي باعتبار أن شؤون اليوغور تقع في قلب اهتمامات هذا العالم، أو من المفترض أن تكون كذلك.
يتطلب ذلك تحديد ومناقشة الهدف الذي يسعى إليه مسلمو اليوغور، وما إذا كان ذلك الهدف يتمثل في حكم ذاتي حقيقي أم انفصال كامل عن الصين؟ فلا شك أن تحديد هذا الهدف سيلقي بتبعاته على إستراتيجيات التعامل من قبل طرفي الصراع، ومن المتصور في هذا الخصوص أن هدف الانفصال الكامل قد لا يكون مستساغا في ظل الظروف الدولية الحالية والتي قد تفتح ملفات لا حصر لها في النظام الدولي ومنها ملفات في العالم العربي والإسلامي ذاته.
ولا شك أنه سيكون مطلوبا في المقابل سياسة صينية تتخلي عن الاضطهاد الذي قل نظيره في النظم السياسية الحديثة، وهي سياسات تصل إلى حد التصفية والعنصرية، حيث يعاني مسلمو اليوغور من التمييز في الوظائف إضافة إلى استهداف الجماعات القومية الصينية المتطرفة لعلمائهم. وقد كشفت الأحداث الأخيرة في شينغ يانغ عن سياسة صينية بالغة التشدد تفتقد لأبسط المعايير الدولية. ويجب أن يتضمن ذلك تخلي الصين عن سياستها القائمة على تغيير طبيعة الإقليم الديمغرافية والقائمة على تشجيع الهان الذين يمثلون غالبية الصينيين على الاستقرار في الإقليم.
تدخل العالم الإسلامي
ومن المتصور أن تحديد أرضية للتفاهم بين الجانبين يمثل أهم الأسس لتفادي تفاقم الصراع، وهو الأمر المنوط بدول عربية أو إسلامية ذات علاقات جيدة مع الصين، حيث أن القوى الغربية لا تريد سوى تأجيج الصراع ليكون مسلمو اليوغور شوكة في خصر الصين، ليس لصالح المسلمين بالطبع، وإنما لتحقيق مصالح غربية بالأساس. ولعل ما حدث إثر أحداث سبتمبر يكشف هذه الحقيقة حيث تشير العديد من المصادر إلى ما وصفته بصفقة تم إبرامها بين الصين والولايات المتحدة بمقتضاها تتخلى بكين عن معارضة الغزو الأميركي للعراق مقابل إطلاق يد بكين للتعامل مع مسلمي اليوغور وتحت يافطة الحرب على الإرهاب. وعلى خلفية هذه الصفقة جرى اعتقال سبعة من اليوغور وإيداعهم معتقل غوانتانامو.
وهنا ينبغي استغلال طبيعة العلاقات الطيبة التي تربط العالم الإسلامي بالصين من أجل احتواء المشكلة واستجابة بكين لمطالب مسلمي اليوغور في الحدود التي لا تمثل تعارضا مع وحدتها الوطنية. وإذا كان الإسلام قد دخل منذ القدم إلى الصين عن طريق البعثات، فإن الأمر ليس أصعب الآن عما كان عليه من قبل حيث إن سياسة الانفتاح الصيني يمكن أن تؤدي إلى انتشار المظاهر الإسلامية وفتح الأبواب أمام مسلمي الصين لأداء فريضة الحج، وهو ما يعني عودة بالأمور إلى حقب وعصور مضت، في ظل معطيات حديثة لا يمكن نكرانها. وهنا لا يجب إغفال أن بكين لها مصالح حيوية مع العالم العربي والإسلامي وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط والخليج بشكل خاص حيث وارداتها من النفط فضلا عن روابطها التجارية.
إلى جانب ذلك فإن تخلي النظام الصيني عن سياسة تفضيل عرقية الهان قد يعزز مناخ السلام الاجتماعي في شينغ يانغ، حيث إن قدرا كبيرا من الاحتكاكات بما فيها التي أشعلت شرارة الأزمة الأخيرة تندلع على خلفية أبعاد اقتصادية تتعلق بالمنافسة بين العرقيتين على الفرص الاقتصادية.
ولعله مما يتيح الفرصة لهذه التصورات ويفتح الطريق أمام تحققها تخفيف النظام الصيني لقبضته على مقدرات الأمور في البلاد سواء بفعل تخليه عن الشيوعية كفلسفة حكم، أو بفعل تطورات العولمة التي تجعله مكشوفا أمام العالم، على نحو يفرض عليه التعامل بحذر مع سواء مواطنيه أو الأقليات الدينية والعرقية التي تقع في إطار حكمه.
تاريخ
تركستان مركز آسيوي للإسلام
دخل الإسلام بلاد تركستان الشرقية عام 934م عن طريق اليوغوري «ستاتوك بوجرخان» الذي اعتنق الإسلام قبل أن يتولى العرش ويصبح حاكم ولاية يوغور.. وبعد أن أصبح حاكماً اتخذ لنفسه اسماً مسلماً هو عبد الكريم ستاتوك وبإسلامه أسلم معظم التركمان من السكان وسكان وسط آسيا، لتصبح تركستان بعد ذلك مركزاً رئيساً من مراكز الإسلام في آسيا.
استمرت تلك الحضارة الإسلامية زهاء الألف سنة كان من نتاجها نخبة من مصابيح الهدى ومنارات العلم كالبخاري، والترمذي، والزمخشري، وغيرهم من العلماء. ثم جاء الصينيون ليستولوا على الإقليم ويحاولون طمس هويته، تحت شعار محاربة «مخلفات الماضي».
أرقام
نسبة مسلمي اليوغور
على النحو ذاته الذي تتباين فيه التقديرات بشأن مسلمي الصين تتباين كذلك بشأن مسلمي اليوغور حيث فيما تقدرهم بعض المصادر بنحو 25 مليون نسمة تذهب أخرى إلى أنهم لا يتجاوزون 8 ملايين. وعرقية اليوغور من المسلمين الناطقين بالتركية فيما تقدر مساحة شينغ يانغ ـ اسمه الأصلي تركستان الشرقية ؟ بنحو 6,1 مليون كيلو متر مربع، أي نحو 17% من مساحة الصين الحالية.
ويصل تضييق السلطات الصينية على مسلمي اليوغور إلى حد هدم المساجد والحيلولة دون ممارستهم للشعائر بحرية بل والعمل على تشويه الإسلام من خلال تدريس الفكر الشيوعي في المدارس الإسلامية.