من لبنان اشتقت كلمة اللبننة، ومن العراق العرقنة، فالدولتان هما داء العروبة وربما دواؤها. في ميدان العطاء لهما إسهامات وفيرة، وفي مجال التناحر هما ثقبان أسودان يشدان العرب نحو القاع. ومثلما هما أضعف نقطتين في التجاذب، فإنهما أيضاً الأقواى في المقاومة، إنهما الموزاييك العربي الأشد دقة ورقة.
عندما كان لبنان مزدهراً عرفنا منه نجوم الأدب والطرب، وعندما صار ضحية التآمر، اقتتل فيه رموز الخيانة وقادة المقاومة. وكذلك الأمر في العراق، ففي ازدهاره عرفنا السياب والجواهري بعد احتلاله سمعنا عن بول بريمر، وجون نغروبونتي.
عندما كان البلدان مستقرين حدث التعايش بين الأديان والأعراق، وعند التأزم جرى التناحر بين أبناء الدين الواحد، مثلما حدث بين السنة والشيعة. ووصل الأثر إلى كل بيت عربي، فتم التضخيم والتوظيف والتواطؤ. ولأن الانقسام كان حاداً فرض نفسه على العرب وعلى المسلمين، فتناحروا فيما بينهم سياسياً ومذهبياً.
وارتدت الانقسامات معربة ومؤسلمة إلى الدولتين، فانضوى اللبنانيون والعراقيون بتصنيفاتهم تحت الانقسامات التي رفعت لافتتي: الاعتدال والممانعة. فصار شيعة لبنان ممانعة وسنته اعتدال. وفي العراق اعتدل الشيعة ومانع السنة. بكل ما يحمل مصطلحي الاعتدال والممانعة من معان تتصل بالتحالف مع أميركا والتناغم مع إسرائيل أو معاداتهما. فالاعتدال متعاون، والممانع مقاوم، وبينما يتعاون بعض اللبنانيين مع أميركا وإسرائيل، فإن بعضهم الآخر يقاومهما، وهذا ما يفعله أيضاً بعض العراقيين وبعضهم الآخر. فكلاً من لبنان والعراق منبع ومصب بالنسبة للعرب.
ولهذه الأسباب وغيرها يكون في استقرار الدولتين مصلحة للعرب كلهم، حتى ولو اصطرعت الساحة الدولية من أجلهما، وينطبق ذلك أيضاً على أي توتر أو تدهور، لأن العامل الخارجي لا ينجح فيهما إلا بحليف محلي وعربي معاً.
لبنان استطاع مؤخراً أن يجتاز أغلب أزمته، بعدما أفرزت الانتخابات النيابية نتائجها التي قبل بها الجميع، ولذا من حقه على العرب أن يشاركوا بإيجابية في تعبيد طريقه الجديد.
أما العراق فلاتزال اليد الأميركية هي الطولى، على الرغم من خلع قفازها العسكري في المدن. لا أحد يعرف مآله غداً، لأن العرب نفضوا يدهم منه قبل سنوات، فارتد إليهم تواطؤهم خسائر، إذ صار ملعباً يتنافس فيه اللاعبون، ومسرحاً تطنطن فيه المذهبية بأكثر مما تسمع في لبنان. والوضع مرشح للمزيد. العرب هم الطرف المنعزل بإرادته، والخاسر أيضاً برغبته، فهم من انتقلت إليهم عدوى التوترات المذهبية، وهم أيضاً من تحملوا نتائج الاحتلال الأميركي من أمنهم القومي ومكانتهم الدولية.
ونظراً لهذا الغياب العربي، فإن العراق يتخبط داخلياً ويستنزف خارجياً، بعدما ترك لكل من أميركا وإيران وتركيا، وكل منهم يفعل فيه ما يريد. وسوف يجري فيه ما هو أكثر خلال الأشهر المقبلة، إذا استمر الأمر على حاله. فالعراق بلا حول ولا قوة. نخبة متناحرة لم تتفق بعد على أي مشترك بينها، وكل منها يسعى لقضم قطعة من أرضه ونفطه.
يساعدهم على ذلك طغيان المذهبية والعرقية، في ظل دستور يغذي الطائفية والانقسام. هذا الدستور هو أول ما يجب إصلاحه، بل تغييره من أجل هوية العراق وسلامة أراضيه وثرواته، فترك هذه الأمور على حالها ينقل عدواها إلى كل العرب، ولبنان هو الشبيه الأول، ومرض المذهبية والعرقية منتشر في الوطن، ورهن الإشارة.