عسكر هندوراس فاجأوا العالم باسطوانة مشروخة تناستها أميركا اللاتينية قرابة عقدين. العام 1993 موعد الانقلاب الأخير هناك وغوايتمالا مسرحه. اسطوانة هندوراس واكبت العصر. الجيش اطاح مسنوداً بالقضاء والبرلمان بالرئيس. العسكر لم يلجأوا إلى تصفية الرئيس أو اعتقاله. بدلاً من الخيارين فضلوا شحنه إلى كوستاريكا.
الأكثر تخلفاً من اسطوانة العسكر هو النشيج الجماعي الصادر عن جوقة الراديكاليين القدامى في نصف القارة الجنوبي. بمجرد إذاعة النبأ ركن مايسترو الجوقة الفنزويلي هوغو شافيز إلى «نوتته» العتيقة فاتهم أميركا بتمويل وتدبير الانقلاب. المايسترو لم يكن مواكبا كالانقلابيين. رد أوباما جاء مباغتاً للجميع.
واشنطن لم تدن فقط الانقلاب بل طالبت بإعادة مانويل زيلايا إلى قصر الرئاسة في تيغوسيغالبا. أكثر من ذلك قادت إدارة أوباما منظمة الدول الإفريقية إلى أكثر موقف جماعي في تاريخها. بفضل هذا الجهد وجدت هندوراس نفسها في عزلة اقليمية مطبقة وتحت تهديد بسلسلة من العقوبات.
جوقة شافيز تضم رئيس نيكاراغوا دانيال أورتيغا والايكوادوري رافائيل كوييبا والبوليفي موراليس. هؤلاء الراديكاليون القدامى لا يؤمنون بحرية الشعوب في الاختيار قدر قناعاتهم في الاحتفاظ بالسلطة. هذه معزوفة شافيز المفضلة. هي معزوفة يلعب الرئيس فيها على أوتار الدستور بغية البقاء في السلطة. المعزوفة الفنزويلية أضحت نشيجاً جماعياً إذ عزف على منوالها رئيسا الاكوادور وبوليفيا. رئيس كولومبيا يواجه مقاومة من شعبه على تطبيقها. ذلك هو السلم الموسيقي الذي قاد زيلايا إلى المنزلق الحالي.
لما حاول امبراطور تجارة الأخشاب تعديل الدستور من أجل البقاء في قصر الرئاسة ولاية ثانية رفض القضاء المغامرة قائد الجيش رفض الانصياع لأمر الرئيس باعانته تنظيم استفتاء يعينه على البقاء ولاية ثانية.
إبان ولاية زيلايا الأولى استشرى الفساد والجريمة المنظمة والفضائح. الرئيس عرقل نحو 40 قانوناً أصدرها البرلمان. شعبيته هبطت إلى 30%. هو يدرك استحالة انتخابه مطلع السنة الجديدة.
أزمة جوقة الراديكاليين القدامى في أميركا اللاتينية في عجزهم عن استيعاب روح الديمقراطية الجديدة. حق الشعوب في الاختيار يعلو على بقاء القادة في الصدارة. شعوب أميركا اللاتينية تراهن على قدراتها وليس على مواهب القادة في المضي على طريق التغيير والتقدم. ذلك مأزق تواجهه رئيسة الارجنتين كرستينا كرتشنر وزوجها نبستود اللذان يرغبان في نسج تجربة بيرونية عصرية رغماً عن رغبة الأرجنتين ويهددهما فشل ذريع.
جوقة الراديكاليين الارثوذكس يريدون إعادة زيلايا إلى قصره في هندوراس حتى لو استدعى الأمر اللجوء إلى القوة. ذلك موقف يناقض كل رؤى اليسار والليبراليين المعاصرين. ما من أحد يتقبل فرض رئيس على شعب لا يتقبله. رجال الدين في هندوراس نصحوا الرئيس المخلوع بالعدول عن محاول الرجوع لتفادي حمام دم في العاصمة.
مفتاح الحل بيد أوباما وليس بإرادة الراديكاليين القدامى. الرئيس الأميركي يحقق مكاسب في النصف الجنوبي للقارة. أوباما يرغب في ترشيح الرئيس البرازيلي لولا داسيلفا مديراً للبنك الدولي. ذلك منصب ظل احتكاراً للأسماء الأميركية. اذا حدث ذلك سيعزف أوباما لحناً ترقص على إيقاعه شعوب أميركا اللاتينية جميعها. جوقة شافيز مطالبة باستبدال «نوتتها» العتيقة.