في مثل هذا اليوم من عام 1995، تابع العالم أهم حدث في تاريخ الدبلوماسية الأميركية خلال التسعينات، وهو إقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع من كان عدوا للأميركيين ذاقوا منه مرارة أولى هزائمهم العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية. عدو صار صديقا لهم بعد أن لقنهم درسا قاسيا.. للأسف لم يتعلموا منه حتى الآن. فقد كرروا مغامراتهم العسكرية مع بداية الألفية الجديدة وحتى الآن لم يخرجوا سالمين لا من العراق.. ولا من مستنقع أفغانستان.
العدو الذي صار صديقا للأميركيين هو فيتنام. فبعد عشرين عاما من نهاية الحرب فيتنامية وسقوط سايغون ـ عاصمة فيتنام الجنوبية في ذلك الوقت - في أيدي الفيتناميين الشماليين، قرر الرئيس الأميركي ـ آنذاك ـ بيل كلينتون اقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع فيتنام التي توحد شمالها مع جنوبها. والمثير أن ما شجع على إقامة هذا العلاقات، هو رضا الأميركيين عن تعاون الفيتناميين في البحث عن الأميركيين الذين فقدوا في الحرب والذين مازالوا حتى الآن في عداد المفقودين.
كانت نيران الحرب الأميركية في فيتنام قد انتهت في مارس 1973 بانسحاب آخر جندي أميركي. وبلغت خسائر الأميركيين فيها 57 ألف قتيل. في تلك الفترة كانت فضيحة ووترغيت التي أطاحت بالرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون، تخيم على كل الأجواء. وانتهز الفيتناميون الشماليون هذه الأجواء، فاجتاحوا سايغون في 30 ابريل 1975 وبعدها توحدت البلاد وصارت سايغون تحمل اسم المناضل الكبير هوشي منه.
هذا الانتصار الذي حققه الفيتناميون أغاظ الأميركيين الذين فرضوا حظرا تجاريا على فيتنام بعد أسبوعين من سقوط سايغون. وظلت واشنطن تتهم هانوي باخفاء أسرى حرب أميركيين، وظلت قضية الأسرى قائمة حتى عهد الرئيس رونالد ريغان الذي أجرت ادارته سرا محادثات مع الفيتناميين، وأعلن في يناير 1983، أن قضية الأسرى تمثل الأولوية القومية العليا لأميركا. وفي عام 1989، رضخت إدارة ريغان، وأقرت طبقا لتقرير نهائي، بعدم وجود دليل موثوق به، يثبت وجود أي أسرى حرب أميركيين على قيد الحياة في جنوب شرقي آسيا.
وكان لفيتنام دورا فعالا في إثبات عدم وجود أسرى لديها. بعدها زال التوتر في الأجواء، خاصة بعد أن كشف المحاربين أن بلادهم استخدمت أسلحة كيماوية في فيتنام على رأسها النابالم، وما سمي بالعامل البرتقالي (اسم الشفرة العسكرية لمبيد أعشاب ضار)، إذ على مدى عشر سنين من عمر الحرب، رشت القوات الأميركية 80 مليون لتر من هذه المبيدات لإزالة الأشجار وإبادة المحاصيل حتى يتم الكشف عن أماكن اختباء جنود القوات الفيتنامية.
لم يكن يوم الحادي عشر من يوليو 1995، سوى الفصل الأخير من فصول محادثات ومفاوضات ولقاءات بين الجانبين الأميركي والفيتنامي، ساهمت في اقامة العلاقات. كانت البداية عام 1990 عندما تم أول لقاء على مستوى رفيع بين وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر ونظيره الفيتنامي نجوين كو ثاش في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة.
وأعقب اللقاء تأكيد هانوي لواشنطن عدم وجود أي أسرى حرب أميركيين لديها. المثير أن ديك تشيني الذي كان وقتها وزيرا للدفاع، سعى بشتى الطرق لتعكير صفو اللقاءات وسياسة التقارب التدريجي مع فيتنام. ففي أكتوبر 1990، الذي وافق الذكرى الثلاثين لتوسيع الرئيس جون كنيدي الحرب على فيتنام، تحدث أمام الكونغرس، قائلاً:
«إننا غير مستعدين للسماح بدخول فيتنام العالم المتحضر ولن ننسى معاناتنا على أيدي الفيتناميين». في نفس الوقت كانت فيتنام تتقارب مع القوى الغربية الأخرى الكبرى في أوروبا وكذلك اليابان.
ورغم عدوانية تشيني، إلا أنه في فبراير 1991، اتفق الأميركيون والفيتناميون على فتح مكتب مؤقت في العاصمة الفيتنامية هانوي لمتابعة قضية المفقودين الأميركيين في فيتنام. وتلى ذلك في 9 أبريل 1991 إعلان الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب)، خطة أساسية للتطبيع الكامل للعلاقات مع فيتنام.
والمثير أن الاتحاد السوفييتي الذي كان على شفا السقوط والذي كان الحليف الرئيسي القوي لفيتنام خلال الحرب ضد الأميركيين حيث أمدها بشتى الأسلحة التي ألحقت أكبر قدر من الخسائر بالأميركيين، قرر إلغاء المساعدات المقررة لفيتنام نهائياً، رداً على التقارب الأميركي ـ الفيتنامي.
وفي سبتمبر 1993، اتجهت أبصار الشركات الأميركية إلى فيتنام بتقديم عروض بمشروعات بتمويل من وكالات التنمية الدولية. بعد ذلك وفي 3 فبراير 1994، أعلن الرئيس كلينتون رفع الحظر التجاري على فيتنام، مما ساعد تلك الدولة الناهضة على الحصول على قروض من البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي، ثم جاء الحادي عشر من يوليو 1995، لتقام أول علاقات دبلوماسية كاملة بين البلدين. وتطوى بعدها صفحات من العداء الدموي القاتل. وكان الرئيس كلينتون قد زار هانوي عام 2000 بعد خمس سنوات على استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وقام بوش عام 2006 بزيارتها ردا على زيارة رئيس الوزراء الفيتنامي السابق بان فان كاي الى الولايات المتحدة في يونيو 2005، وكان وقتها أول رئيس حكومة فيتنامي يتوجه الى واشنطن منذ 1975.
إضاءة
الولايات المتحدة والصين هما أكبر شريكين تجاريين لفيتنام. وتعد الولايات المتحدة أكبر مستورد للسلع الفيتنامية. الاقتصاد الفيتنامي الذي ينمو بشكل إيجابي في ظل استثمارات أجنبية هائلة، سجل خلال النصف الأول من العام الحالي نموا بمعدل 9 .3 % من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وإجمالي الناتج المحلي زاد بنسبة 9 .3 خلال النصف الأول من العام الحالي بفضل زيادة الناتج الصناعي بنسبة 8 .4 % وقطاع الخدمات بنسبة 5 .5. وزاد حجم قطاع التشييد بنسبة 5 .3 بفضل برنامج الإقراض الحكومي المدعم لتعزيز قيمة الاقتصاد بأكثر من مليار دولار. وصادرات فيتنام خلال النصف الأول من العام الحالي بلغت 6 .27 مليار دولار.
حسن صابر