اعتبر العديد من المسؤولين العراقيين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء نوري المالكي، ورئيس الجمهورية جلال الطالباني، وغيرهم، يوم الثلاثين من حزيران يونيو، يوما وطنيا، لمناسبة انسحاب القوات الأميركية من مدن عراقية، ولكن الاحتفالات المفترضة بهذه المناسبة، كانت مبتسرة جدا، واقتصرت على استعراض بسيط عند نصب الجندي المجهول، في «المنطقة الخضراء»، تحت هاجس الخوف من أعمال العنف، في وقت تجاهل كل المعنيين، على كثرة تصريحاتهم، أي ذكر لكلمة «احتلال»، أو حتى الإشارة إلى أن ما يفخرون به هو «تقليص وجود الاحتلال» على الأقل، ما يعني تبادل مهام بين «قوى صديقة».
هذا هو واقع الحال، الذي أكدته مصادر عراقية وأميركية، بينما «غاب» الشارع العراقي عن هذا الموضوع، الذي بدا وكأنه لا يعنيه، باستثناء ترقب حذر، لما ستفعله الحكومة عند «تسلمها الملف الأمني»، للمرة الثانية خلال عهد الاحتلال، بعد أن أشّرت المرة الأولى في 28 حزيران يونيو 2004، تزايد نفوذ الاحتلال، وتصاعد الحرب الطائفية، مع وصول نيغروبونتي، سفيرا للولايات المتحدة في العراق، ويبدو أن الملف الأمني الذي تم تسليمه آنذاك كان فارغاً!!.
الشارع العراقي، وهذا أشد ما يؤلم، شهد قسوة من قواه الأمنية «الوطنية»، اشد وطأة من تلك التي شهدها من قبل المحتل، وهذا ما تؤكده الجهات الرسمية من خلال اعترافها باستبعاد زهاء 70 ألف عنصر من تلك الأجهزة.. انه رقم مخيف ومرعب، أن يكون في أية دولة مثل هذا العدد من المفسدين والعابثين داخل الأجهزة الأمنية، التي يؤكد مسؤولوها إن حملات التطهير فيها مستمرة، وهذا ما يثير القلق لدى العراقيين، لان الأجهزة الأمنية التي بنيت على أسس طائفية وعرقية، لن تصل بسهولة إلى مستوى «الوطنية»، حتى بالمفهوم الذي يخدم مصالح الاحتلال.
انسحاب.. لا انسحاب
ويرى المراقبون السياسيون أن مثل هذه الهواجس أطلقت العنان لتصريحات عراقية وأميركية، فحواها أن الانسحاب من المدن، أو بالاحرى تسليم الملف الأمني «مسألة شكلية»، لا تختلف في شيء عن «تسليم الملف الأمني»، في معظم المحافظات العراقية، خلال الشهور الماضية، إذ استمرت فعاليات القوات الأميركية.
كما كانت عليه، وان كانت تدعي أن تدخلاتها، و«غزواتها»، تتم بالاتفاق مع الجانب العراقي، من دون تحديد ذلك الجانب، الذي قد يكون مجرد ضابط برتبة صغيرة في إحدى المحافظات، وهذا ما يثير الكثير من الجدل في الأوساط العراقية، إضافة إلى الأماكن التي «ستبيت» فيها القوات «المنسحبة»، عند حافّات المدن.
النائب عن الائتلاف العراقي الموحد الحاكم عباس البياتي يرى «إن الاتفاقية الأمنية مع واشنطن تسمح بتحرك القوات الأميركية في المدن العراقية، بعد موعد انسحابها في نهاية شهر حزيران يونيو».
وأوضح البياتي، المقرب من رئيس الوزراء نوري المالكي «أن الانسحاب لا يشمل الأفراد والآليات، وإنما هو (تسليم المسؤولية إلى الجانب العراقي)، وبالتالي فإن القوات الأميركية قد تتحرك وتنتقل وتعبر بين المناطق، ولكن لا يحق لها القيام بعمليات عسكرية واعتقال، إلا بالتنسيق مع القوات العراقية».
وأكد أن القوات الأميركية ستتوقف عن القيام بعمليات عسكرية منفردة، مشيرا إلى أن الفرق التي ستبقى داخل المدن ستتولى مهمة التنسيق بين القوات الأميركية والحكومة العراقية. إلى ذلك، بيّن النائب عن التحالف الكردستاني، عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي عادل برواري «أن القوات الأميركية ستشارك في العمليات العسكرية إذا ما طلبت الحكومة العراقية منها ذلك».
وكانت أوساط نيابية شددت على أن الاتفاقية العراقية الأميركية نصت على الانسحاب الكامل من المدن العراقية، بيد أن الحكومة العراقية لفتت إلى تمركز قوات أميركية داخل المدن، بعد الانسحاب، «لغرض تقديم الاستشارة والتدريب».
عند الحافّات الساخنة
من جهته أوضح النائب عن التحالف الكردستاني محمود عثمان أن هناك الكثير من المبالغة في الخشية من تأثير الانسحاب الأميركي من المدن، على الوضع الأمني، لان «القوات الأميركية سوف لا تكون في مواقع بعيدة، وإنما على بعد دقائق من المدن، ما يتيح لها التدخل الفوري عند الضرورة، إضافة إلى وجود (المستشارين)، الذين يعملون مع القوات العراقية في داخل المدن».
وبشأن المناطق الساخنة، مثل ديالى والموصل وكركوك، أكد عثمان أن مقرات وقواعد القوات الأميركية، ستكون على بعد بضعة كيلومترات من مراكز هذه المدن، ففي الموصل سيكون مقرها في معسكر الغزلاني، عند أطراف المدينة، بينما ستتمركز في قاعدة «الحرية» في كركوك، وفي معسكر سعد القريب من بعقوبة مركز محافظة ديالى، وهذا الأمر ينطبق على المدن العراقية الأخرى، بينما سيتأخر الانسحاب من مراكز بعض المدن إلى نهاية العام الحالي على الأقل.
ويؤيد النائب محمود عثمان، في ما ذهب إليه، الكولونيل ستيف شوت ممثل اللواء 172 بالجيش الأميركي في بابل، إن القوات الأميركية لن تنسحب من قاعدة (ريو)، التي يوجد فيها مقر القنصلية الأميركية في الحلة، حسب طلب الحكومة المحلية. وقال شوت: «إن قرار الانسحاب تأجل إلى نهاية العام الحالي 2009، لان القوة الموجودة في غير قتالية».
وأوضح إن هنالك ثلاثة ألوية تعمل في محافظات الوسط، سيتم سحب اثنين منها، ويبقى الثالث، مبينا أن القواعد المشتركة بين الجيش العراقي والأميركي لن يشملها قرار الانسحاب في محافظات وسط العراق، وضمنها بابل». ويؤكد محللون عسكريون أن مخاوف القادة العسكريين الأميركيين من انسحاب مبكر من العراق تستند بالأساس إلى ما يعتقدون انه (تربص إيران)، لكي تقوم بنفسها بملء (الفراغ) الذي سيتركه رحيل القوات الأميركية، وإكمال شبكة نفوذها التي بنتها بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
كما تستند تلك المخاوف، حسب المحللين، إلى احتمالات أن يعيد تنظيم القاعدة نشاطه بشكل فعال، مستغلا تزايد النفوذ الإيراني، ما قد يمهد لعودة العنف الطائفي مجددا، وبالتالي دخول العراق في أتون حرب أهلية، تنعكس آثارها سريعا على دول الخليج، الحليف الإستراتيجي التقليدي للولايات المتحدة.
بالاسم فقط
وعلى هذا الأساس، يؤكد العديد من المراقبين السياسيين أن عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين سيبقون داخل المدن العراقية، وهو ما يشير إلى أن الولايات المتحدة أعلنت «الانسحاب بالاسم فقط».
ويبقى مؤشر الشارع العراقي هو الأهم بين كل المؤشرات، حيث يتساءل المواطنون عن جدوى الانسحاب أو عدمه، وكيف يؤثر ذلك على حياتهم العامة، والخدمات التي أصيبت بالانهيار الكامل طوال السنوات الست الماضية؟، وهل سيؤدي ابتعاد الجنود الأميركان عن شوارع المدن لإعادة الكهرباء الضائعة إليها، أو معالجة أزمة شح وغلاء الوقود؟
أو حتى التساؤل: أين ذهبت وتذهب ميزانية العراق الضخمة، وكل المرافق الحيوية فيه معطلة أو شبه معطلة، بينما سجلت البطالة معدلات فلكية، مع تصاعد مستويات الفساد الإداري والمالي الذي انتشر في إدارات الدولة كافة. وعندما يحصل الشارع العراقي على إجابات، ولو جزئية، يمكنه القول آنذاك ما إذا كان أي من الإجراءات الحكومية أو الأميركية، ذا فائدة أم العكس.
إضاءة
يؤكد محللون عسكريون أن مخاوف القادة العسكريين الأميركيين من انسحاب مبكر من العراق تستند بالأساس إلى ما يعتقدون انه (تربص إيران)، لكي تقوم بنفسها بملء (الفراغ) الذي سيتركه رحيل القوات الأميركية، وإكمال شبكة نفوذها التي بنتها بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
كما تستند تلك المخاوف، حسب المحللين، إلى احتمالات أن يعيد تنظيم القاعدة نشاطه بشكل فعال، مستغلا تزايد النفوذ الإيراني، ما قد يمهد لعودة العنف الطائفي مجددا، وبالتالي دخول العراق في أتون حرب أهلية، تنعكس آثارها سريعا على دول الخليج، الحليف الإستراتيجي التقليدي للولايات المتحدة.
بغداد ـ عراق احمد