خرجت القوات الأميركية من المدن العراقية في نهاية شهر يونيو الماضي. وتأتي هذه الخطوة تنفيذا لنص المادة الرابعة والعشرين من الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الأميركية، والتي تم التوقيع عليها في نوفمبر من العام الماضي، أي قبل تسلم الرئيس باراك اوباما الحكم. ووفقا لهذه المادة فان القوات الأميركية سوف تتموضع خارج المدن والقرى والقصبات لتحل محلها قوات الأمن العراقية. ويعد هذا الإجراء محصلة للعلاقة التي حكمت الطرفين خلال السنوات الست الماضية، مثلما يعد اختبارا عمليا لطبيعة هذه العلاقة في المرحلة المقبلة، خاصة وأن بنود الاتفاقية تلزم الجانب الأميركي اتمام الانسحاب الكامل من العراق بنهاية العام 2011.

انتصار للمقاومة... مشهد الخروج الأميركي جرى تلميعه وتغليفه اعلاميا وتوظيفه سياسيا، بأكثر مما يبدو في الواقع، حتى تم تصويره وكأن الاحتلال قد رحل عن العراق، بينما كل ماجرى أن القوات الأميركية أعادت تنظيم انتشارها، وهنا لابد من التعامل مع الحدث وفق القراءات التالية: (1) على الرغم من تدني قيمة تموضع القوات الأميركية خارج المدن اذا ماقورن بهدف تحرير العراق كاملا، فان هذه الخطوة هي أحد ثمار صمود الشعب العراقي، لكنها تحسب في المقام الأول انتصارا للمقاومة العراقية بكل فصائلها، فقد استطاعت تحويل حياة قوات الاحتلال إلى جحيم، وكبدته خسائر بشرية تقدر بعشرات الآلاف من القتلى والجرحى، إلى جانب خسائر مالية تفوق التريليون دولار، مما جعل من العراق مشروعا خاسرا يجب على واشنطن اشهار افلاسه، مثلما حدث للعديد من الشركات الاميركية التي انهارت تحت وطأة الأمة الاقتصادية.

(2) ما حدث ليس انسحابا كما يحلو للبعض أن يروج، وإنما هو نوع من اعادة الانتشار العسكري، لكن قيمته تكمن في أنه كان اختبارا عمليا لمدى التزام الولايات المتحدة بتنفيذ بنود الاتفاقية الأمنية، كما ان هذا الإجراء تم وسط تشكيك في إمكانية الوفاء به، خاصة وأن الاتفاقية تعطي القوات الأميركية حق العودة، بموافقة مسبقة من الحكومة العراقية.

(3) ما تم، يحقق للقوات الأميركية فوائد عدة، منها التخفف من أعباء التواجد داخل المدن تحت ذريعة حفظ الأمن، لأن هذا التواجد يعرضها للاشتباك المباشر مع المدنيين، ويعرضها للاستهداف العسكري من جانب فصائل المقاومة، فجاءت عملية إعادة الانتشار لتحد من خسائرها البشرية والتي فاقت 4300 قتيل.

(4) ما تم لايعني تراجع الهيمنة الأميركية على القرار العراقي، فأروقة الحكم وتوازناته لاتزال كما هي من دون تغيير، مما يعني أن المدن العراقية تبقى محتلة سياسيا واقتصاديا، وان جلا عنها الاحتلال عسكريا.

(5) هذه الخطوة تشكل تحديا للعراقيين على صعيد تولي مهام حفظ الأمن، وسد الطرق أمام تذرع قوات الاحتلال بالعودة إلى المدن تحت غطاء حفظ الأمن مجددا.

حشد الصفوف

وكانت كافة القوى العراقية سواء داخل الحكم وخارجه قد استعدت لهذه المرحلة، كل حسب مصالحه. فالحكومة والقوى السياسية المنضوية تحت عباءة الاحتلال، اعتبرت ماحدث انجازا سياسيا لها، وليس لسواها، سعيا منها لقطف الثمار وحدها، بهدف تقوية شرعيتها السياسية والوطنية.

وقد اعتبرت الحكومة يوم الثلاثين من يونيو عيدا وطنيا، ودعا رئيس الحكومة نوري المالكي قوات الأمن إلى اعلاء مشاعر الفرحة في نفوس العراقيين، فجرت استعراضات لهذه القوات بكافة المحافظات، كما عززت من وجودها المكثف، وسط تأكيدات رسمية بقدرتها على تولي المهمة، اعتمادا على أن هذه القوات جرى إعدادها جيدا لهذا اليوم، حيث تم حشد نحو 750 الف رجل أمن لهذه المهمة.

وهذا العدد ضخم اذا ماقورن بحجم القوات الأميركية، والتي يبلغ عددها نحو 131 ألف جندي، إلا ان هذه الثقة لم تمنع من اطلاق التحذيرات من جانب المسؤولين والساسة العراقيين ومنهم رئيس الوزراء، بأن هناك قوى تستهدف نشر الفوضى مستغلة الخروج الأميركي.

واتهم تنظيم القاعدة بشكل صريح، وحمله المسؤولية عن تنفيذ التفجيرات التي شهدها العراق خلال الفترة الماضية، لاعادة العنف الطائفي بين السنة والشيعة إلى البلاد، وقال المالكي إن الهدف هو إسقاط العملية السياسية، مشيرا إلى أنها لن تسقط إلا إذا سقطت الوحدة الوطنية. وكانت البلاد قد شهدت تفجيرات أودت بضحايا بالتزامن مع خروج القوات الاميركية مما مثل تحديا للعراقيين الذين عبروا عن فرحتهم وسعادتهم برحيل المحتل عن مدنهم.

توحيد المقاومة

وفي صفوف المقاومة شهدت الساحة تطورا مهما تزامن مع تحضيرات الخروج الأميركي، اذ قررت فصائل في المقاومة العراقية توحيد صفوفها وصوتها السياسي باختيار الشيخ حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين ممثلا سياسيا لها، وهذه الفصائل هي جبهة الجهاد والتغيير المكونة من عشرة فصائل، وجيش المجاهدين المرابطين، وجيش الأمام أحمد بن حنبل، وعصائب العراق الجهادية.

وكانت هذه الفصائل قد أصدرت بيانا بذلك، ورد عليها الشيخ الضاري باعلان قبوله.

وهذا الاتحاد الجديد بين المقاومة وهيئة علماء المسلمين يعد نقلة نوعية وتطورا مهما في عمل المقاومة، من حيث انه يجمع بين ركنين قويين لهما مكانتهما في العراق هما المقاومة العسكرية ممثلة في الفصائل المسلحة والمقاومة الدعوية ممثلة في الهيئة.

فالفصائل كانت تمتلك القدرات العسكرية لكنها كانت تفتقد الخطاب والمشروع السياسي، بينما تمتلك الهيئة خطابا ومشروعا سياسيا غير مسلح بقوة على الأرض، كما أن كلا منهما يمتلك المشروعية الوطنية والشعبية في مواجهة الاحتلال. وقد حققت عملية التوحيد لكل منهما، بل للعراق عامة، ما كان يحتاجه.

فبهذا الإعلان صار للمقاومة وجود مادي معلوم وقيادة مكشوفة، وصارت أيضا تمتلك صوتا سياسيا وعسكريا. كما أصبح لها رمز يضاف إلى كوكبة المقاومين العرب. وهذا يؤهلها كي تطرح نفسها بديلا وطنيا عن توابع الاحتلال.

وتسعى المقاومة في الفترة المقبلة، بعدما تمكنت من إجبار الاحتلال على مغادرة المدن، إلى صياغة مشروع وطني يحظى بموافقة العراقيين، ويمكن الالتفاف حوله، بما يجعلها قادرة على مواجهة الاحتلال والمتعاونين معه، وصولا إلى تحقيق الاستقلال التام، مراهنة على وعي ووطنية الشعب العراقي الذي يتوق إلى هذا الهدف. وإذا لم يتحقق سيعاني العراق كثيراً.

التحدي الكردي

وإذا كانت الحكومة ذات التوجه الشيعي، قد سعت الى تقوية سلطتها وتأكيد سيادتها على الأرض من خلال الأجهزة الأمنية، وإذا كانت المقاومة الجهادية المسلحة المنتمية إلى أهل السنة قد أعلنت عن نفسها في مسعى لتثبيت وجودها وشرعيتها، فإن القادة الأكراد فعلوا الشيء ذاته في إقليم كردستان، سعيا إلى تثبيت شرعيتهم لكن في إطار محاولة انتزاع سيادة إقليمهم من جغرافية العراق قبل خروج القوات الأميركية، فاتخذوا خطوتين مهمتين مؤخرا: الأولى توسيع حدود كردستان لتشمل مناطق من محافظات أخرى لتثبيت وجودهم على الأرض.

وكانت الثانية ولوج مرحلة الاستقلال الاقتصادي، بتوقيع عقود لتصدير النفط عن طريق تركيا، من دون موافقة الحكومة المركزية في بغداد التي اعتبرت هذا الاجراء غير دستوري، ورفضت الاعتراف بالعقود المبرمة.

وهاتان الخطوتان تكملان ما أقدم عليه الأكراد من تحركات استقلالية بدأت في أعقاب الاحتلال. وكان أقدم هذه التحركات رفض الاعتراف بالعلم العراقي ورفع العلم الكردي لتحقيق الهوية المستقلة، وإنشاء حكومة وبرلمان مستفيدين من دستورالمحاصصة الطائفية.

وهذه التحركات السياسية والاقتصادية والهوياتية تحقق لهم الآن نوعا من الحكم الذاتي الواسع جدا الذي يبلغ درجة الاستقلال عن الدولة العراقية، خاصة وأن الأكراد يمتلكون قوات عسكرية نظامية هي قوات البشمركة.

وحدة العراق وشكل الحكم

وهكذا فإن المشهد العراقي يقف عمليا على أرضية الانقسام الديني والعرقي، وكأن كل طرف يتحسب لنفسه وليس للوطن العراقي، رغم كافة الشعارات المطروحة حول وحدة العراق. وهنا تبرز الاشكالية الكبرى التي تنتظر العراقيين مستقبلا.

وفي الوقت الحالي يتركز الاهتمام على الهاجس الأمني باعتباره التحدي الملح، خشية الفراغ الأمني الناجم عن خروج الاحتلال من القرى والمدن، خاصة مع وجود تنظيمات العنف ممثلة في القاعدة والميلشيات العسكرية التى يخشى أن تعود إلى ممارسة نشاطاتها، ويعد كل من جيش المهدي والصحوات والبشمركة قوات موازية لقوات الأمن والجيش، وهذا يستدعي ضرورة السعي لادماج هذه القوات في أجهزة الدولة أو البحث عن سبيل لتذويبها، وعلى وجه الخصوص قوات البشمركة التي تمثل جيشا كرديا يهدد وحدة العراق.

وتطرح إشكاليات اخرى ذات أهمية قصوى نفسها على العراقيين، لكنها لم تحظ بعد بالأولوية المطلوبة، وأولها عدم التوافق على شكل الحكم ووحدة العراق، ففي أوساط الشيعة من يدعو إلى حكم الاغلبية المذهبية، على الرغم من رفض كثير من المراجع لها، وهناك أيضا من يدعو إلى تقسيم العراق إلى أقاليم شيعية وسنية وكردية.

وفي أوساط السنة يوجد من يدعو إلى تحالف كردي عربي في اطار مذهبي، كي يتمكن السنة من بلوغ الأغلبية والحكم. وفي المقابل يدعو فريق ثالث إلى إلغاء المحاصصة الطائفية، ويقود هذا الطرح رئيس الوزراء نوري المالكي وطارق الهاشمي نائب رئيس الدولة، ولكن هذا الطرح يصطدم بالمستفيدين من الدستور الحالي. ويقف الاكراد في مقدمة هؤلاء.

وهذا الانقسام نتيجة طبيعية لافرازات الاحتلال، فدستور المحاصصة أوجد واقعا على الأرض يصعب محوه سريعا، على الرغم من أن انتخابات المحافظات التي جرت قبل أشهر جاءت بنتائج وحدوية هدأت من روع الغيورين على الوطن العراقي، وأكدت حرص عموم الشعب على وحدة الوطن في اطار المنافسة السياسية البعيدة عن الطائفية والتي تحكم البعض وتحركهم.

إهدار الثروات والطاقات

وهناك أيضا تحديات أخرى تنتظر العراق في المرحلة المقبلة إلى جانب التحدي الأمني والحفاظ على وحدة التراب وشكل الحكم، ومن ذلك السيادة على الثروات العراقية، والنفطية منها بشكل خاص، فمن الناحية العملية أصبحت هذه الثروة مقسمة بين الأقاليم، ومافعله الأكراد يقدم أنموذجا سلبيا لغيرهم من سكان المناطق الأخرى الغنية بالنفط، مما يفقد الدولة العراقية سيادتها على ثرواتها كلها وليس النفط فقط، بل وعلى السياسات الاقتصادية، خاصة وأن سلطات الاحتلال لايزال لها اليد الطولى في السياسة النفطية.

وعلى ذات القدر من التحدي تمثل العلاقات مع دول الجوار مشكلة كبرى للعراق، فلكل من تركيا وايران طموحاتهما وأطماعهما الذاتية.

فتركيا هي أحد الأطراف المستفيدة من نفط كردستان والطامعة في أراضيه، وايران يهمها كثيرا ابقاء العراق ضعيفا حتى لايشكل عليها أي خطر في المستقبل، وتسعى من خلال انصارها إلى التأثير، بل السيطرة على القرار العراقي، ولذا فهي حريصة على استمرار الروح الطائفية، وحريصة أيضا على تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة في الملعب العراقي، مما يعرضه لتجاذبات ودفع أثمان باهظة في كل مرة تحتد فيها الصراعات بين الطرفين، بل إن الصراعات الاقليمية تمثل أحد مسببات الأزمة الأمنية في العراق.

ومالم يتحقق تواجد عربي يتمتع بإرادة مستقلة ورؤية قومية، فإن الصراع الإقليمي الدولي سيودي بكل ماهو متبق من كيان الدولة العراقية، لأن الأخطر لم يأت بعد، خاصة وان الحديث الأميركي عن موعد الانسحاب النهائي من العراق، والمحدد له نهاية ديسمبر 2011، حديث متذبذب يخضع لمقتضيات وتوازنات كل مرحلة تصدر فيها تصريحات من أركان الإدارة الأميركية والقادة العسكريين الميدانيين.

إن العراق أمام رهانات وتحديات أكثرها مجهول، وأقلها يمكن توقعه، في ظل غياب مشروع وطني يمكن الاتفاق عليه والعمل من أجله. وهذا في اعتقادي أهم تحد يواجه الدولة العراقية في المرحلة الحالية من بين كل التحديات، فمثل هذا المشروع هو القادر على تجميع العراقيين، مما يستلزم تحركا من جانب الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي شرط أن يحظى هذا التحرك بمساندة عربية وإسلامية صادقة.

إضاءة

تم توقيع الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الأميركية في السابع عشر من نوفمبر عام 2008. ودخلت حيز التطبيق في أول يناير 2009. وتتكون هذه الاتفاقية من ثلاثين مادة تنظم العلاقة بين أميركا كدولة احتلال وبين العراق كدولة محتلة.

وكانت الاتفاقية قد عرضت للبحث في يونيو من العام الماضي، لكن إدارة الرئيس جورج دبليو بوش فشلت في تمريرها بسبب ضغوط دول الجوار، ولم تمرر إلا في اطار صفقة أرضت كل الأطراف الدولية والإقليمية.

أحمد الكناني