منذ الانتخابات البرلمانية الأولى التي جرت في إقليم كردستان العراق العام 1992 إثر خروجه عن هيمنة الحكومة المركزية في بغداد، سيطر الحزبان الرئيسيان في المنطقة «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود البارزاني وغريمه «الاتحاد الوطني الكردستاني» بقيادة جلال الطالباني على مفاصل الحياة السياسية في الإقليم. وتقاسم الحزبان السلطة السياسية في كردستان على قاعدة المناصفة في ظل وجودٍ ضعيف للأحزاب الأخرى التي غلبت عليها اليسارية في مجتمعٍ لا يزال يحتفظ بعشائريته.
تميزت علاقات «الديمقراطي الكردستاني» و«الاتحاد الوطني الكردستاني» بالندية والارتياب الذي وصل حد الاقتتال الداخلي منتصف التسعينات بهدف السيطرة على مناطق النفوذ حتى بات للأكراد حكومتان واحدة في أربيل وأخرى في السليمانية. ولكن مع بزوغ فجر القرن الحالي، اتفق الحزبان، برعاية أميركية، على توحيد إدارة الإقليم والتفرغ لما سيحمله المستقبل من استحقاقات أوصلت الأكراد إلى ما كانوا يطمحون إليه وهو الفيدرالية مع بغداد.
وبرغم ذلك، بقيت العلاقات مع الحكومة المركزية محط سجال بسبب الملفات العالقة التي ورثها العراق عن النظام السابق كمصير مدينة كركوك والمادة 140 الخاصة بها في الدستور الجديد، وتوزيع عائدات النفط وهي إحدى أهم نقاط الخلاف مع أربيل، فضلاً عن الاتهامات الكردية بمحاولة «إقصائهم» من جديد عن سكة صنع القرار في استحضارٍ للماضي المليء بالصدام بين الطرفين.
وأياً كان الفائز في الانتخابات التشريعية والرئاسية في ال25 من شهر يوليو الجاري، تقع على رئيس الإقليم المقبل مهام جساما تبدأ من «تطبيع» العلاقات مع بغداد والمضي بها إلى بر الأمان حفاظاً على الاستقرار في العراق والذي يشكل الأكراد رقماً صعباً في معادلته. كما سيواجه الرئيس المقبل مهمة الحفاظ على الهدوء مع الجارة الشمالية تركيا التي ما فتئت تنتقد تساهل أربيل مع مقاتلي «حزب العمال الكردستاني» المتحصنين في جبال قنديل.
ويبقى ملف العلاقات مع الولايات المتحدة الأهم في رأي الكثيرين لما تحمله تلك العلاقات في طياتها من روائح الخذلان، بحسب الأكراد، في أكثر من موقفٍ منذ السبعينات مروراً بمطلع التسعينات وحتى يومنا هذا. إذ يخشى الأكراد، مع قدوم الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى سدة الحكم، أن تتخلى عنهم واشنطن مجدداً في لعبة المصالح السياسية التي تشبه «الدومينو». وهم ينظرون إلى تقرب الإدارة الأميركية الجديدة من تركيا وسحبها ليدها من الفوضى العراقية تاركةً العراقيين يقررون مصيرهم وحدهم بعينٍ من التوجس والتحفظ في آنٍ.
يبدو الإقليم مقبلا على انتخابات يتوقع لها أن تكون نقطة تحول بارزة في تاريخ الشعب الكردي، حيث أنها المرة الأولى التي ستشهد فيها ظهور قوائم معارضة للحزبين الحاكمين ومرشحين مستقلين يتمتعون بنفوذ واسع.
حري القول، والحال كذلك، إن على حكومة إقليم كردستان العراق البحث عن مرتكزات وطنية جامعة وثابتة تفتح المجال لمشاركة سياسية أوسع وترسخ صيغة العيش المشترك وتقضي على الفساد الذي ضربت بأطنابه مؤسسات الإقليم وأثر على عملية التنمية الضرورية.