تحول الصومال، الذي يقول البعض انه يعني في اللغة السواحلية: ارض حلب الإبل والبقر، إلى ساحة لسفك الدماء التي لا تتوقف، منذ نحو عشرين عاما، وبات ترابه نهبا لصراع دموي، وساحة لعمليات القرصنة، التي جلبت البوارج الحربية الأجنبية إلى منطقة القرن الافريقي، بما تشكله من تهديد امني في المستقبل على العديد من الدول العربية والإفريقية.

لقد اختزل الصراع الدائر على السلطة بين فرقاء الامس، ممن يرفعون تقريبا ذات الشعارات الإسلامية وضرورة تطبيق الشريعة، إلى واقع بائس، ومشهد يومي لأجساد واشلاء ممزقة، والاف الفارين، إلى معسكرات اللجوء في البلدان المجاورة التي أخذت تئن تحت عبء تحمل مسؤولية هؤلاء من الجانب الإنساني.

هذا المشهد التعس للوضع في الصومال، لا يبدو أنه سينقشع في الأفق المنظور، في ضوء التطورات المتلاحقة على الأرض الصومالية، خاصة في الأسابيع الأخيرة، وسط وطأة المعارك الضارية بين ما يسمى حركة الشباب المجاهدين المعارضة والقوات الحكومية تحت قيادة الرئيس شيخ شريف أحمد، الذي استنجد بالخارج لحماية حكومته من الانهيار فلبت اثيوبيا النداء، وأعلنت استعدادها للعودة إلى الصومال بعد أشهر من المغادرة، في ظل تقارير تتحدث عن عبور القوات الاثيوبية بالفعل الحدود الصومالية، وان نفت أديس ابابا.

الأميركيون الذين ساندوا شيخ شريف، سارعوا بدورهم إلى إرسال شحنة من الأسلحة إلى مقديشو لمساعدة الحكومة، وطبقا لما نقلته صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول أميركي فقد وصلت الشحنة بالفعل مطلع شهر يونيو الماضي، بعد اتخاذ قرار على أعلى المستويات لضمان عدم سقوط حكومة شيخ شريف، وتعزيز قدراتها في مواجهة خصومها الذين اشتد ساعدهم أيضا بفعل مساعدة بعض دول الجوار.

وفي المشهد لم تقف كينيا هي الأخرى مكتوفة الأيدي، بل حشدت وحدات من قواتها على الشريط الحدودي المحاذي لجنوب الصومال بعد أن اخذ آلاف النازحين يتدفقون على أراضيها. عربيا،لا يزال تجاهل ما يدور على الأرض الصومالية سيد الموقف، وكأن الصومال ـ وهو وإن لم يعتبره البعض عربيا، فهو بلد إسلامي خالص ـ لا يعنيهم من قريب أو بعيد، على الرغم من أن ما يحدث هناك ستكتوي البلدان العربية بنيرانه إن عاجلا أم آجلا.

وبين لعبة الكر والفر بين القوات الحكومية ومسلحي المعارضة الصومالية، يقع المدنيون العزل بين فكي الكماشة، ولا يبقى أمام من يسلم من أسنانها الحادة سوى الفرار إلى دول الجوار. ولعل بؤس معسكرات اللجوء التي ضاقت بما على الفارين من اتون المعارك في مقديشو والمدن الصومالية الأخرى، خير تجسيد لمأساة هؤلاء البشر، الذين ولدوا في زمن الحرب المجنونة، التي لا تحفل بإنسانيتهم، ولا تقيم أي وزن لمستقبلهم، بعد أن بات أغلبهم مجرد أرقام في ملفات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لمن حالفه الحظ ودلف إلى سجلاتها، فيما عشرات الآلاف الآخرين يظل مصيره مجهولا، لأن اسمه أو صوته لم يصل إلى ملفاتها.

الصومال يحتاج من المجتمع الدولي، ومن القوى الإقليمية سواء العربية أو الأفريقية، نظرة أكثر رحمة، لا تغلب المصالح الضيقة فقط، على حساب جثث وأشلاء المئات الذين تزهق أرواحهم كل يوم، وقبل أن يصحوا الجميع على بلد أصبح أبناؤه أشلاء وهياكل عظمية.