ليس الحديث عن طابع إسرائيل كدولة يهودية بجديد البتّة، ذلك أن هذا الأمر تم تضمينه في قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة (1947)، كما في وثيقة إعلان قيام إسرائيل (1948)، وفي مجمل الخطابات السياسية والأيدلوجية الصهيونية والإسرائيلية.

لكن الجديد في هذا الحديث إنما يتمثّل، أولا، بإلحاح قادة إسرائيل على الفلسطينيين والعرب الاعتراف بطابع إسرائيل كدولة يهودية، واعتبار ذلك شرطا من شروط عملية التسوية. وثانيا، بتحويل هذه المسألة من كونها مسألة داخلية، تخصّ تعريف إسرائيل لذاتها، إلى مسألة خارجية أيضا. وثالثا، في اعتبار هذا الاعتراف بمثابة تخل من الفلسطينيين عن حق اللاجئين منهم بالعودة إلى أرضهم وممتلكاتهم التي شردوا عنها (1948)، في أقل تقدير.

ويمكن التأريخ لهذا المطلب بالتحفظات التي طرحتها إسرائيل على «خطة خريطة الطريق»، التي طرحتها الإدارة الأمريكية المنصرفة (2003) والتي جاء في الفقرة السادسة منها الآتي: «فيما يتعلق بالبيانات التمهيدية والتسوية النهائية يجب أن يشار صراحة إلى حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية، وإلى التخلّي عن أي حق للاجئين الفلسطينيين في العودة إلى دولة إسرائيل» (هآرتس 27/ 5/ 2003).

بعدها تم التأكيد على هذا المطلب في الكلمة التي ألقاها أرئيل شارون في مؤتمر العقبة (4/ 6/ 2003)، الذي جمع وقتها الرئيس الأمريكي جورج بوش مع رئيس الحكومة الإسرائيلية أريئيل شارون ورئيس الحكومة الفلسطينية محمود عباس. وفي حينه أيد جورج بوش هذا المطلب بكلمته التي تحدث فيها عن «التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل كدولة يهودية نابضة بالحياة والنشاط».

وقد بلغ التجاذب أشده بين إسرائيل والفلسطينيين من حول هذا الموضوع في مؤتمر أنابوليس (27/ 11/ 2007)، الذي نظمته الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر عهد بوش، حيث تم طرح هذا المطلب في كلمات كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية (وقتها) إيهود اولمرت، ووزيرة خارجيته تسيبني ليفي؛ ولقي حينها معارضة شديدة من الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما، على أساس أن المطلوب فقط الاعتراف بإسرائيل وليس الاعتراف بطابعها.

هكذا، فإن قادة حزب الليكود وكاديما، ومعهم الأحزاب اليمينية المتطرفة (شاس وإسرائيل بيتنا والبيت اليهودي/ المفدال)، هي التي تبنت هذا الطرح، وأضافته إلى جملة الشروط المطروحة من قبل إسرائيل للتسوية مع الفلسطينيين.

أما الأحزاب الأخرى (العمل وميريتس) فهي لا تلق بالا لهذا الشرط، ولا تعول عليه، وتعتبره شرطا زائدا، لا داعي له، خصوصا أن اعتراف «الأغيار» (أي الآخرين)، بطابع إسرائيل لا يقدم ولا يؤخّر بالنسبة لها، طالما أنها هي التي تحدد طبيعتها كدولة يهودية.

على ذلك فإن حديث رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، في الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر بار إيلان (مؤخرا)، والذي تكلم فيه بإسهاب عن يهودية إسرائيل، وعن اعتبار ذلك شرطا لازما لعملية التسوية مع الفلسطينيين، لم يأت بجديد بقدر ما انه أكد على طرح سبقه إليه شارون ثم اولمرت وليفني، وإنه جعل هذا الشرط (بالإضافة إلى شرط ضمان أمن إسرائيل)، ضرورة لاغنى عنها لإسرائيل للقبول بمجرد دولة فلسطينية منزوعة السلاح!