لم تفوت الدول الغربية أزمة الانتخابات الرئاسية الإيرانية، اذ وجدت فيها الثغرة التي ظلت تلهث وراءها لعقود. واذا كانت هناك مزية فيما جرى، فهي أنها كانت كاشفة لما يحيكه الغرب من مؤامرات ضد إيران، باعتبارها الشوكة الأخيرة التي تحول بينه وبين تنفيذ مخططاته الاستعمارية في المنطقة. فإيران أعاقت الولايات المتحدة عن تمرير مشروع الشرق الأوسط الكبير. كما حالت بين إسرائيل وتحقيق أطماعها التوسعية في المنطقة، ومن أجل ذلك تساند المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، في وقت استقال فيه العرب من هذا الواجب.

إيران لا تفعل ذلك قطعا لأنها جمعية خيرية، ولكن لأنها دولة لها طموحات ومصالح في إقليمها، وهي تفعل الآن ما كانت تفعله مصر الناصرية في الخمسينات والستينات، ولهذا علينا ألا نلومها وحدها، وإنما علينا لوم أنفسنا أولا وأخيرا، لأننا فرطنا في كل مصادر القوة والعزة. وعجزنا عن ابتداع مشروعاتنا الوطنية والقومية التي توحد جهودنا. وهذا ما تفعله إيران الآن، لأنها تتحرك في مساحة الفراغ العربي. ونحن بالطبع مستفيدون من ذلك ومتضررون في آن.

فمن حيث مواجهة إيران لإسرائيل عبر دعم المقاومة نحن مستفيدون، ونحن كذلك أيضا من حيث تعطيلها للمشروعات الغربية والأميركية الصهيونية، ومن حيث دخولنا التحدي النووي. فلولا المشروع الإيراني ما جرؤت دولة عربية على طرق أبواب هذا الميدان، لأن صمود إيران واستماتتها في الدفاع عن حقها النووي (سلميا كان أو عسكريا) أفادنا من دون قصد منها أو جهد منا. أما على مستوى الضرر فنحن نخسر من حيث جعلنا أراضينا وأنفسنا رقع وأحجار شطرنج مستباحة لكل من يريد اللعب بنا وبمنطقتنا، والإيرانيون والأميركيون مهرة في لعبة الشطرنج. ونحن خاسرون أيضا في حسبة الصفقات التي تعقد بين اللاعبين الإقليميين والدوليين على حسابنا.

ولو افترضنا جدلا أن المنغصات الإيرانية تجاه بعض العرب اختفت مرة واحدة على طريقة فيلم (وحدي في البيت)، فهل سنرتاح من المنغصات الغربية والصهيونية؟ بالطبع لا. لأننا سنصبح أكثر استباحة، اذ سيرتاح الغرب وإسرائيل من المغص الإيراني، ليستدير إلينا وعلينا، لينفذ فينا أطماعه ومشروعاته المعطلة.

فالولايات المتحدة ستعيد إنعاش الشرق الأوسط الكبير، لتنهبنا عيانا بيانا، أيا من كان في الحكم باراك أوباما، أو جورج دبليو بوش أو حتى جيمي كارتر. وسيصبح ميسورا لها ولإسرائيل القضاء على كل أشكال المقاومة العربية التي ستفقد عندئذ النصرة. كما أن الدول والنظم العربية التي تتمتع الآن بحظوة أميركية ستفقد مكانتها، لأنها تستمدهما من سياسة التصدي لـ (الخطر الإيراني)، بل يمكن وقتذاك إسقاطها برسالة فاكس.

وفي الوقت ذاته لن تسلم المشروعات النووية العربية من أميركا وإسرائيل، على الرغم من أنها مشروعات منزوعة الدسم، بل سيحظر علينا الاقتراب من هذه التقنية لعقود طويلة. صحيح أن إيران ليست هي حامى ديار العرب والمسلمين، ولكنها شوكة في إرادة الغرب تشغله بها وبنفسه، مثلما تشغله عنا، وتقربه من بعض منا، وتمنعه من التفرغ لنا. هي دولة سلطها الله على أعدائنا وسلطهم عليها. فلنستفد من هذا الظرف في تحقيق طموحاتنا ومشروعاتنا الوطنية والقومية. ولهذه الأسباب مجتمعة لا مصلحة لنا في قلقلة حجر واحد داخل إيران، بل مصلحتنا في التضامن معها ضد الغرب الآن على الأقل، حتى لا تصبح هي الثور الأبيض، ونصبح من بعدها ثيران حمراء أو (كاروهات).