مغادرة الكسندر سولجنتسين موسكو ثمانينات القرن الأخير عكست في تضاعيف أزمتها بعضاً من عبقرية يوري أندربوف. تحت إلحاح الغرب الضاغط لفتح النظام السوفييتي الأفق أمام الأديب حامل نوبل للرحيل. يومئذ قال رئيس كي جي بي «اشحنوه إلى ثقافة النيون حيث يحترق». الروائي المرموق قضى في الغرب عقداً ويزيد. صاحب «أرخبيل الفولاغ» خبا وانطفأ في ثقافة النيون ولم يبرق. ربما خوفاً من الاحتراق عاد إلى وطنه.

مايكل جاكسون ابن ثقافة النيون وضحيتها. تحت أضوائها نما وتفتح وفي لجتها برق وتألق وفي وهجها احترق ومات. هو لم يكن الثمرة المشتهاة لهذه الثقافة كما لم يكن ثمرتها الفاسدة، حتماً هو هجين من الإنجاز والإخفاق. ما من أحد ينكر إبداع الفتى الخلاسي في فضاء الغناء والرقص. دون التوغل في الجدل يمكن الاتفاق على شغله مكانة أعلى من الفيس بريسلي وأدنى من جون لينون. كل منهما عملاق لا يزال باقيا في الذاكرة العالمية. مايكل جاكسون يتفوق على العملاقين في خضم سطوة ثقافة النيون بعد رحيلهما. مايكل جاكسون علامة تجارية عابرة للحدود الاجتماعية والقارات. البوماته حققت أرقاماً قياسية.

مع ذلك يمكن القول إن عبقرية جاكسون الحقيقية لا تكمن في الغناء بل في الرقص. جاكسون رقص كما لم يرقص أحد من قبله. هو صاحب مدرسة حداثية في هذا الفن تصميماً وأداءً. مساهمته الباقية تتمثل في النقر بأطراف القدمين على الطريقة الإغريقية ولكن بإيقاع العصر اللاهث. العالم تلقف منهجه الحداثي بشبق حارق. شباب العالم اجتهد في محاكاة جاكسون وتتلمذوا على إيقاعه. ما من أحد أفلح في مجاراة الأستاذ. في الرقص يتفوق جاكسون على ينجنسكي ونيوربييف وكل منهما عملاق حفر اسمه في صالات الرقص المخملية.

هو ابن ثقافة النيون وضحيتها. هو أحد ثمارها المشتهاة والفاسدة. فترة توهجه الفني خبت قبل عشرين سنة وما أعقبها ليس أكثر من رجع للصدى. ماكينة النيون تحذف مهارة إضفاء النجومية ونزعها. هي الثقافة نفسها التي حبست مايكل جاكسون في طفولة دائمة حتى مات وهو طفل في سن الخمسين. لم يخترق مطلقاً حاجز الصبا إلى النضوج. بعد رحيله اكتشف العالم أن المرأة التي عاشت معه وأنجبت له طفلين لم تكن زوجته. أكثر من ذلك أن أبناءه ليسوا من صلبه. ثقافة النيون مطبوعة بالمرواغة والخداع.

رغم اتساع رقعة معجبيه على امتداد المعمورة إلا أن مايكل جاكسون عاش عزلة مطبقة. في ظل هذه الشعبية الواسعة لم نعرف له صديقاً حميماً وصديقة صدوقة. مع أنه ردم بفنه أخاديد في المجتمع الأميركي غير أن هوة عميقة وشاسعة فصلته عن أسرته حد اللا انتماء. حياة جاكسون أشبه بفانتازيا يكتنفها الغموض والضعف في موته كما في حياته تطارده علامات الاستفهام إذ ظل جاكسون في الحالتين لغزاً مثيراً للحيرة. الصبي الخارج من رحم أسرة سوداء أمسى رمادياً فانتهى إشكالية عرقية.

الفتى المشهور عاش متخفياً فانتهت ملامح وجهه قناعاً. صاحب المبيعات القياسية الرافل في رفاهية بات مثقلاً بالديون ومطارداً من قبل المصارف. رغم الوفرة لفظ جاكسون أنفساه على معدة خاوية مثل ملايين المشردين على أرصفة المدن. موت جاكسون الفجائي باغت كهنة ثقافة النيون مثلما فعل الفيس برسلي عقب رحيل ملك الروك أند رول اجتهد الكهنة لصناعة نجم فما أفلحوا. ترافولتا كان أحد المحاولات الباهتة. من الصعب على الكهنة إيجاد بديل لجاكسون. الفتى كان موهبة جوهرية. هو ابن شرعي لثقافة النيون كما هو ضحيتها.