داخل الولايات المتحدة الآن.. أصوات تفرق بين إسرائيل الدولة، وإسرائيل الحكومة. إسرائيل ككيان، تحظى بدعم وتأييد أميركي على المستوى الشعبي والرسمي لا حدود له. فأمنها وبقاؤها على خريطة الشرق الأوسط بالنسبة لصانعي القرار في واشنطن، خط أحمر لا يسمحون للدول العربية أن تتجاوزه. أما إسرائيل كحكومة ففي الوقت الراهن وفي ظل سياسات الحكومة الإسرائيلية ـ بعد أن تولى أمرها المتطرف نتانياهو وبعد أن صعد للرئاسة الأميركية أوباما الذي يسعى إلى تجميل وتحسين صورة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ـ فقد أصبحت موضع تقييم.

صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، أشارت منذ أيام إلى تراجع التأييد لإسرائيل في صفوف طلبة الجامعات الأميركية. وقال رئيس مركز الدراسات الدولية في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا ريتشارد صامويلز إن النظرة إلى إسرائيل تشهد تغيرا في الولايات المتحدة، وإمكانية التعويل على الدعم غير المحدود للسياسات الإسرائيلية تتقلص.

أساتذة أميركيون شاركوا في برنامج للتبادل الأكاديمي مع إسرائيل، أجمعوا على أن سياسات إسرائيل باتت تثير جدلا في أوساط الجامعات الأميركية بعد العدوان الإسرائيلي على غزة، خاصة وأن هناك اهتماما متزايدا بحقوق الإنسان في الولايات المتحدة.

الأكثر من ذلك، أن النظرة إلى إسرائيل على أنها كيان مظلوم لم يعد مقبولا بشكل واسع النطاق، خاصة وأنها تشكل القوة العسكرية رقم 14 أو 15 على العالم. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة ستتخلى عنها.

إنما قد تتحرك بالضغط عليها كلما كان في سياستها ما لم يعد يرضى به الأميركيون. هذا ما تتوقعه الأوساط المقربة من صانعي القرار في البيت الأبيض. البعض ؟ ومنهم المحلل السياسي بوكالة رويترز جيفري هيلر ـ يرى أن عصر بوش الذي بلغ به الأمر إلى درجة أنه وصف إسرائيل ذات مرة بأنها «شعاع مضيء للأمم»، قد ولّى. وتستخدم الآن مصطلحات مختلفة للغاية عن العلاقات في ظل وجود أوباما، مثل الضغط والتحدي والصدام.

مصدر سياسي إسرائيلي كشف عن أن المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشيل أبلغ مساعدين لنتانياهو أن أوباما لا يريد أن يرى حتى «خلاطة» أسمنت إسرائيلية في الضفة الغربية. ولا تستبعد بعض المصادر الأميركية والإسرائيلية أن يصل الأمر بالبيت الأبيض إلى عدم التدخل لمنع صدور أي قرارات للأمم المتحدة تنتقد إسرائيل. بل وقد يلجأ إلى تقييد بعض الإمدادات العسكرية الأميركية لإسرائيل. ومثل هذا الإجراء إذا حدث، يمكن أن يعطل مهمات طائرات الآباتشي الأميركية الصنع التي تستخدمها إسرائيل في عملياتها ضد الفلسطينيين.

نأمل أن يصبح ما يقال عن التغيير المرتقب في سياسة واشنطن تجاه الحكومة الإسرائيلية، حقيقة ملموسة وليس مجرد توقعات واحتمالات. ما يعنينا هو تعامل الولايات المتحدة مع إسرائيل كحكومة. تعاملها معها كدولة مفروغ منه. فوجودها بات أمرا واقعا رغم أنوفنا بعد أن ارتضينا بهذا الوجود وصار خيارنا الاستراتيجي هو السلام. العرب والفلسطينيون بالتحديد في انتظار العدل وسياسة الإنصاف الأميركية وليس سياسة الحب الأعمى التي تبناها بوش وزبانيته من المحافظين الجدد الذي لطخوا سمعة أميركا بسياستهم البذيئة في الشرق الأوسط.