جاءت الأحداث والتطورات المستجدة مؤخرا في إيران لتجدد الاهتمام داخل إسرائيل.. بأهمية الشأن الإيراني وبالاحتمالات التي يمكن أن تؤول إليها الأوضاع في طهران.. لا حرصا على مصلحة شعبها المسلم، ولكن من منظور انعكاس الوضع في إيران على حاضر ومستقبل الكيان الإسرائيلي ـ الصهيوني ومخططاته، المعادية بحكم التعريف للمصالح الوطنية ـ القومية في العالم العربي والشرق الأوسط بشكل عام.

وبحكم الصلات الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل نستطيع أن نتابع تطورات الخطاب السياسي في أميركا وبالذات فيما يتعلق بإسرائيل وهو خطاب لم يعد بسيطا بمعنى وحيد الجانب بعد أن أضفت عليه أحداث أميركا والعالم مزيدا من التشابكات بل والتعقيدات، وخاصة بعدما استجد مع أيام العام الحالي من وجود إدارة جديدة في البيت الأبيض، حيث آلت مقاليد القيادة في الولايات المتحدة إلى أيدي رئيس شاب مثقف جاء إلى منصب الرئاسة مزودا بخبرة ميدانية اكتسبها مع مطالع العمر .

ومنذ فترات الطلب حين عمل ناشطا سياسيا وكأنه قيادة جماهيرية بدأت على مستوى الشارع والحي وبرلمان المدينة ومدرجات الدرس الجامعي إلى أن ارتقت بحكم التطور الطبيعي ونضج الشخصية إلى مقاعد مجلس الشيوخ في كونغرس الولايات المتحدة ومنها إلى الرئاسة الأولى في الدولة رقم واحد، على الأقل في هذه الفترة الباكرة من القرن الحادي والعشرين.

وبعيدا عن خطاب الإثارة السياسية الذي تعتمده دوائر الصهيونية في إسرائيل، فإن الخطاب السياسي الذي رصدناه عن كثب يحاول أن يبلور النصائح أو التحذيرات لإسرائيل نفسها وهي بصدد التعامل مع منطلقات، أو اجتهادات هذه الإدارة الأميركية الجديدة أو حتى التعامل مع عوامل بقاء أو استمرار الكيان الصهيوني من الأساس. وعندنا أن ابعاد هذا الخطاب السياسي تكتسب نسبيا مصداقيتها من أنها تدور بين أطراف هي في الأساس مهتمة بمصلحة إسرائيل.. ومن ثم فإن اطلاعنا على آرائها يفيد في معرفتنا بما عساه يدور عند الطرف الآخر من سور العداء الماثل في قلب الشرق الأوسط: بين حقوق عربية ـ فلسطينية بالأساس، وبين قوى صهيونية تعتمد أجندة خبيثة: ما بين التوسع إلى العدوان ما بين الاحتلال إلى إرهاب الدولة إلى الاستعلاء العنصري.

الأخطار السبعة وإسرائيل

من هنا كان لا بد أن يسترعي اهتمامنا ذلك الموضوع الذي حمل عنوانا لافتا بكل معنى وهو: الأخطار السبعة التي تهدد وجود إسرائيل وقد تولى عرضه مايكل أورين أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج تاون وهي في مقدمة المراكز الأكاديمية بالولايات المتحدة، المهتمة بالشرق الأوسط والثقافة العربية.

السؤال هو: ما هي تلك الأخطار المهلكة السبعة بالنسبة للكيان الذي يحمل اسم إسرائيل؟

الأستاذ أورين يحاول أن يحصيها على النحو التالي:

ـ أولا الخطر الديموغرافي العربي: ويعني بالطبع أن السكان من العرب الفلسطينيين يزدادون بمعدل سنوي يفوق بكثير نظيره من الإسرائيليين (اليهود). ثم ان السكان العرب داخل الكيان الصهيوني نفسه يشكلون حاليا أكثر من 20 في المئة من مجموع السكان دع عنك أن ربع هذه النسبة العربية هم من الشباب دون سن التاسعة عشرة فضلا عن أن الضفة الغربية يسكنها مليونان من العرب الفلسطينيين. كل هذه العوامل تهدد وجود إسرائيل بوصفها ـ كما تدعي المقولات السياسية منذ وعد بلفور في عام 1917 ـ وطنا قوميا لليهود يلوذون به بعد اضطهاد ظل متواصلا على مر التاريخ.

ومن ثم فإن نظرية الدولتين المتجاورتين ليست مجرد حل متوازن للصراع الدائر في الشرق الأوسط بين الطرفين، ولكنها في نهاية المطاف حل واقعي لا بد وأن يحظى بتأييد المجتمع الدولي بل ويؤكد الأكاديمي الأميركي مايكل أورين.. أنه بغير حل الدولتين فإن الضغط الدولي كفيل بأن يتواصل إلى حيث تتحول إسرائيل إلى دولة ثنائية العنصر العربي واليهودي وهو ما يصفه أورين بالحرف الواحد بأنه (نهاية المشروع الصهيوني) لأن هذه الثنائية كفيلة بدورها بأن تذكي الصراعات بين الطرفين الأمر الذي يؤدي في رأيه إلى هجرة أعداد كبيرة، بل غفيرة من يهود إسرائيل إلى خارجها.

كيان مفروض

ـ ثانيا خطر سقوط الشرعية: الأدبيات السياسية العربية تصور إسرائيل كيانا مفروضا بالاحتلال والاستيطان ومن ثم فاقدا للشرعية.. وقد تعززت هذه الصورة من خلال الممارسات الصهيونية القائمة على التعصب العنصري ضد السكان العرب وعلى ممارسات الإرهاب المنظم على نحو ما عاينته أوساط دولية عديدة خلال محرقة غزة الأخيرة.. وما زالت هذه الصورة قائمة وخاصة من خلال استمرار احتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة بعد عدوان يونيه 1967.

ورغم ما تبذله الدعايات الصهيونية من محاولات تبديد معالم هذه الصورة التي ما زالت تستند إلى معطيات الأمر الواقع.. فإن دوائر مرموقة تلقت هذه الرسالة وخاصة في أوساط المثقفين وأساتذة الجامعات ـ في انجلترا مثلا ـ وعلى صعيدهم ما زالت تتردد الدعوات إلى مقاطعة التعامل مع إسرائيل، بل هناك من هذه الدوائر الأكاديمية المرموقة من يدعو إلى فرض عقوبات دولية على إسرائيل العنصرية أسوة بما سبق فرضه من عقوبات على نظام المستوطنين البيض العنصري والأبارتهيد) في جنوب أفريقيا.

ـ ثالثا تآكل السيادة: ويقصد بها سيادة النظام الحاكم حاليا داخل إسرائيل حيث لا سبيل إلى فرض سيادة فعالة وحازمة وقادرة على صنع وتفعيل القرار، لا على قطاعات واسعة من سكان إسرائيل العرب وهم الرافضون أصلا وشرعا للاحتلال الصهيوني، ولا على جماعات المتطرفين من اليهود المنتمين إلى الأحزاب الدينية، ولا على عصابات ـ المستوطنين الذين استشرى نفوذهم وباتوا يعوّلون على فرض أمر واقع على حساب أراضي الضفة الغربية ومدينة القدس وهو ما يرادف حرفيا تدمير أي تسوية مقبولة مرتقبة تقوم على أساس حل الدولتين.

ـ رابعا آفة الفساد في إسرائيل: يقول البروفيسور أورين: إن السنوات الأخيرة شهدت كبار زعماء إسرائيل وقد وجهت إليهم تهم تتراوح ما بين الاختلاس إلى الرشوة إلى غسل الأموال إلى التحرش الجنسي بل والاغتصاب في بعض الأحيان. ويضيف الأكاديمي الأميركي، وهو الخبير بدخائل وكواليس الوضع السياسي الإسرائيلي، أن الشباب في إسرائيل يمقت السياسة وأن الكنيست (البرلمان) لا يكاد يحظى بأي احترام على نحو ما تكشف عنه استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي..

بل ان تُهم الفساد ذاعت وانتشرت في قطاعات مجتمع إسرائيل إلى أن وصلت إلى المؤسسة التي كانوا يتعاملون معها بتوقير شديد وهي الجيش. ثم يضيف البروفيسور مايكل أورين قائلا: إن كون إسرائيل هي رقم واحد عالميا في مجال تجارة المخدرات والاتجار بالبشر وغسل الأموال وتهريب الأسلحة لا يشوه صورتها وحسب بل أنه يقلل على نحو عميق وملموس من فرص إسرائيل ذاتها في الوجود أو الاستمرار.

النووي الأشد خطورة

ـ خامسا القدرات النووية: ترى أطراف الحوار الأميركي المتعاطف مع إسرائيل أن الكيان الصهيوني مهدد كذلك من جراء تطور القدرات النووية لدى جمهورية إيران الإسلامية.. صحيح أن أوساط هذا الكيان وجمهرة أركانه السياسيين ظلوا يستغلون أكثر من «فزّاعة» لإثارة مخاوف الرأي العام الإسرائيلي وتطويع قطاعات الجماهير الإسرائيلية لتحقيق أجندات هؤلاء الزعماء الصهاينة، وصحيح أن هذه الفزاعات كانت تحمل أحيانا اسم حزب الله.. أو حماس أو فتح أو الإرهاب الفلسطيني..

أو الراديكالي أو الإسلامي... إلى آخر ما تفتقت عنه أجهزة «البروباجاندا» الصهيونية من طروحات، إلا أن الشأن الإيراني يظل ـ في رأي المحللين الأميركيين ـ أشد خطرا أو أبعد غورا: أولا لأنه معلن رسميا من جانب القيادات الإيرانية، وثانيا لأنه يلقى ـ كما هو واضح ـ تأييدا داخليا في إيران بصورة أو بأخرى، وثالثا لأنه تهديد نووي لا يمكن أن يؤخذ بخفة..

ورابعا لأن أي تلويح جاد بمثل هذا التهديد سوف تنجم عنه أصداء وآثار غاية في السلبية بالنسبة لإسرائيل، سواء من خلال انكماش دورة الاقتصاد، أو بفعل حالة من الذعر العام الذي يتملك نفوس الإسرائيليين ولن يُفضي سوى إلى وضع يصفه أفرايم سنيه وكان وزيرا من حزب العمال الإسرائيلي قائلا في إيجاز: في ظل ظروف من هذا القبيل، فإن جميع سكان إسرائيل القادرين على مغادرتها سوف يغادرون.

ـ سادسا وضع القدس: يصر سدنة مشروع الاستيطان الاستعماري على أرض فلسطين على أن القدس هي شريان الحياة بالنسبة لوجود إسرائيل.. وتلك هي أفكار وطروحات بن جوريون وهو واحد من أهم مؤسسي المشروع الاستعماري الصهيوني حين قال: إن القدس هي سبب ـ مبرر وجود إسرائيل ذاتها(!) وبغير القدس لن تكون إسرائيل سوى جيب أو كيان مصغر آخر متواجد على سواحل البحر الأبيض المتوسط لا يستحق العيش فيه، دع عنك أن يستحق الدفاع عنه(!)

لكن الإحصاءات التي توردها دراسة البروفيسور مايكل أورين (ونشرتها مجلة كومنتري الأميركية المتعاطفة مع إسرائيل ـ عدد مايو 2009) تقول بأن القدس لم تعد تتحدث عن أغلبية صهيونية: إن مجموع سكانها يبلغ 800 ألف نسمة منهم 272 ألف عربي (بين مسلم ومسيحي) يرفضون بإصرار تغيير الطابع التاريخي والثقافي والعقيدي لمدينتهم، إضافة إلى 200 ألف من اليهود الأرثوذكس الذين لا يتعاطفون ولا يكادون يعترفون بالمشروع الصهيوني ودولته في إسرائيل.

وعلى عهدة الدراسة الأميركية التي نشير إليها، فإن أعدادا كبيرة من اليهود غير المتدينين (العلمانيين) هاجروا خارج القدس بالآلاف ويصدق هذا بصفة خاصة على فئات الشباب والمهنيين.. هذا السيل المتدفق في ظاهرة الخروج ـ الأكسودس كما تسميه الدراسة الأميركية اقتباسا من أسفار التوراة ـ أدى إلى انكماش القاعدة الضريبية لموارد القدس، فضلا عن تآكل قاعدتها الصناعية واستضعاف مكانتها بالنسبة للأجيال الطالعة من سكان إسرائيل.

من هنا تخلص الدراسة إلى القول بأنه مع تنامي هذا الاتجاه فإن حلم بن جوريون سوف يتحول إلى كابوس، وبمعنى أن تفقد إسرائيل القدس لتصبح كيانا بلا روح وبحيث يرى الكثير من سكانها اليهود أن مشروعها لم يعد جديرا بالتضحية وحتى البقاء بين ظهرانيه.

القدس .. عربية

وقد نضيف من منظورنا العربي والعقيدي أن القدس لا تخص لا إسرائيل ولا غيرها بقدر ما أنها مدينة الأديان السماوية الثلاثة.. لا يشهد بهذا تاريخها المسجل وحسب بل تجّسده أمام أنظار العالم معالمها العريقة التي ما زالت موضع إجلال وتوقير إلى حد التقديس ولا سيما من جانب أبناء العقيدتين الإسلامية والمسيحية، ولدرجة لا بد وأن يقال معها بكل موضوعية: ان أي حل نهائي وأي تسوية عادلة أو على الأقل معقولة وقابلة للتنفيذ لا بد وأن تؤكد على الحفاظ على وضع وطابع وتاريخ وحرية «القدس» مدينة لجميع الأديان.

ـ سابعا: ولقد نلاحظ أن الدراسة الأميركية المنشورة قد حرصت بداهة على إضافة ما وصفته بأنه «الإرهاب» على أنه من العناصر السبعة المهلكات التي تهدد أمن بل بقاء إسرائيل.. وبديهي أن المقصود بالإرهاب هو المقاومة الوطنية الفلسطينية في الأساس.. وفي هذا السياق تعرض الدراسة للتدابير التي اتخذها الكيان الصهيوني لوقف الهجمات التي شنتها عناصر المقاومة الفلسطينية..

ولكن دون أن تعرض بداهة لحقيقة الإرهاب المنظم الذي تكلف بممارسته قوات جيش «الدفاع» الصهيوني أو ذلك الذي تمارسه أيضا عصابات المستوطنين الصهاينة في تعدياتها على أراضي الضفة أو القطاع. وفي كل حال فالدراسة تحذر من معاودة عمليات الهجوم على الكيان الصهيوني ولو بأساليب جديدة ومبتكرة. وتضيف الدراسة إلى هذه الاحتمالات شعور العداء الذي ما زالت تضمره ضد هذا الكيان أركان منطقة الشرق الأوسط من شعوب ونظم..

وحكومات، وترى في هذا كله ما يضيف إلى الأخطار التي لم تعد في رأيها تهدد أمن وسلامة إسرائيل بقدر ما تهدد بقاء إسرائيل من أساسه. مع هذا كله فلم يتطرق هذا البحث الأميركي إلى أن جوهر الصراع في منطقة الشرق الأوسط هو: أن ثمة رقعة وطنية وحقوقا أساسية اغتصبت من الشعب الفلسطيني. ولا سبيل إلى استقرار المنطقة سوى بأن يستعيد هذا الشعب العربي حقوقه غير القابلة للتصرف.. هذا هو السبيل الوحيد.

إضاءة

رغم كل مساوئ الوضع الراهن في الصراع مع إسرائيل إلا أن هذه الأخيرة تواجه الخطر الديموغرافي العربي: ويعني بالطبع أن السكان من العرب الفلسطينيين يزدادون بمعدل سنوي يفوق بكثير نظيره من الإسرائيليين (اليهود). ثم أن السكان العرب داخل الكيان الصهيوني نفسه يشكلون حاليا أكثر من 20 في المئة من مجموع السكان دع عنك أن ربع هذه النسبة العربية هم من الشباب دون سن التاسعة عشرة فضلا عن أن الضفة الغربية يسكنها مليونان من العرب الفلسطينيين. كل هذه العوامل تهدد وجود إسرائيل بوصفها ـ كما تدعي المقولات السياسية منذ وعد بلفور في عام 1917 ـ وطنا قوميا لليهود يلوذون به بعد اضطهاد ظل متواصلا على مر التاريخ.

محمد الخولي