منذ تأسيسه قام المشروع الصهيوني على فكرة أساسية وهي إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، بدعوى أنها «ارض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وبدعوى حل «المسألة اليهودية» في العالم، وبالاستناد للأساطير والادعاءات التوراتية. وفي ذلك فقد أعطت الصهيونية لليهودية قيمة مطلقة تبيح في سبيلها كل شيء، بما في ذلك الاستيلاء على أرض الغير، ومحو الشعب الاخر، أو إلغاؤه، من الأرض والتاريخ، أي من الزمان والمكان.
كما تم اعتبار «اليهودية» بمثابة نسق استثنائي فريد فوق الجغرافيا والتاريخ واللغة والثقافة المشتركة، فهي بالنسبة للصهيونية ليست مجرد دين وإنما هي قومية أبدية! هكذا، قامت الصهيونية، التي يفترض بأنها علمانية، باستخدام الدين اليهودي، باعتباره رابطة قومية تصهر جميع اليهود في مختلف الثقافات فثمة شعب يهودي وقومية يهودية. معلوم أن أباء الصهيونية الأوائل كانوا علمانيين من هرتزل إلى بن غوريون، فقد نظر تيودور هيرتزل (مؤسس الصهيونية) إلى الدين اليهودي باعتباره بمثابة «السجاد الثمين الذي يخصب البذرة الغالية للقومية ويحميها من القوى النهمة للاندماج».
وحدد هيرتزل دور رجال الدين بالتالي: «سوف يقوم حاخامونا بتكريس جهودهم وطاقاتهم لخدمة فكرتنا، وسوف يغرسونها في نفوس الرعية اليهودية عن طريق الوعظ والإرشاد من منابر الصلاة، لن نسمح إذن بظهور أية نزعات ثيوقراطية لدى سلطاتنا الروحية، وسوف نعمل على إبقاء هذه السلطات داخل الكنيست».
بن جوريون والدين
أما بن جوريون (أول رئيس حكومة لإسرائيل) فيعتبر الدين بمثابة: «وسيلة مواصلات فقط، ولذلك يجب أن نبقى فيها بعض الوقت لا كل الوقت». بمعنى أن الصهيونية كانت تتوسل الدين لجذب اليهود، وكانت ترى في اليهودية بمثابة هوية ورابطة قومية، ولكنها كانت حذرة ضد هيمنة اليهودية كدين.
مع إقامة إسرائيل بدا وكأن هذه الحركة خلقت نقيضها، إذ نجم عن ذلك تخليق هوية جديدة، ونشوء نوع من ازدواجية هوية، بين الهويتين اليهودية (العالمية) والإسرائيلية (المحلية)، إضافة للتناقضات الأخرى. وعن ذلك يقول يوري أفنيري (صاحب كتاب «إسرائيل بلا صهيونية») «الصهيونية أصبحت بالية. فالجيل الجديد، الذي ولد في إسرائيل، لا يعرف غير وطنية إسرائيلية محلية. فهو يولي إسرائيل اهتمامه، ولكنه إذ يقول «نحن» فهو يقصد الأمة الإسرائيلية الجديدة، لا يهود بروكلين أو بودابست».
ويزيد على ذلك شلومو بن عامي (أكاديمي ووزير خارجية واحد قادة حزب العمل سابقا) بقوله: «إسرائيل ليست شعبين: إنها شعوب كثيرة. فالمجتمع الذي فكر الآباء المؤسسون بأنه بوتقة انصهار هو اليوم مجتمع متعدد الطوائف ومتنوع الثقافات، فشخصية الإسرائيلي الأسطورية تحطمت وحل مكانها «إسرائيليون» كثيرون جميعهم ذوو شرعية: يهود وعرب، حريديم ومتدينون وطنيون، تقليديون، ورجال «طوائف»، «شرقيون»، «مهاجرون» و«اشكناز».. وفي الأساس تعامل متعدد ومختلف بل ومتصادم مع صورة الدولة اليهودية».(«معاريف» 22/ 9/ 1996)
إضافة إلى ذلك فقد ترتب على قيام إسرائيل انقساما بين يهود الشتات ويهود إسرائيل، وانقساما آخر بين الجمهور العلماني والجمهور الديني بين يهود إسرائيل، حيث ثمة نوع من التجاذب والجدال بين المستويين العلماني والديني بشأن تعريف من هو اليهودي؟ فهل يتم تعريفه بالقوانين الوضعية أم بحسب العقيدة الدينية؟ وحتى أن هذا الأمر خلق مشكلات داخل التيار الديني نفسه، خصوصا بحكم سيطرة التيار الأرثوذكسي في إسرائيل، على حساب التيارين اليهوديين الآخرين (الإصلاحي والمحافظ)؛ إذ أن التيار الأرثوذكسي المسيطر في إسرائيل يحتكر التقرير بالشؤون المدنية والتعليمية لليهود ولا يعترف بالتيارين الآخرين، اللذين يمثلان الاتجاه الأغلب من اليهود المتدينين خارج إسرائيل.
جزءان للهوية الإسرائيلية
وبرأي باروخ كيمرلينغ (عالم اجتماع): «ينبغي فهم جزأي الهوية الإسرائيلية: الجزء الأول هو هوية سلفية قديمة، خليط من الميل الديني والقومي (بسبب أنه في الثقافة الإسرائيلية ثمة تقارب كبير بين الدين والقومية)، والجزء الثاني هو الهوية المدنية، القائمة على نظرات كونية في ما يتعلق بحقوق الإنسان والمواطن« (مجلة «بمحنية» العسكرية 20/ 9/ 1998).
على الصعيد الخارجي فإن اعتبار إسرائيل دولة يهودية يستهدف التغطية على واقع عجز إسرائيل عن جلب اليهود إليها، وتحولها إلى وطن قومي لأغلبية اليهود في العالم، كما عجزها عن تشكيل دولة يهودية خالصة، بواقع وجود حوالي مليون وربع مليون فلسطيني داخل إسرائيل يحملون جنسيتها، وحوالي أربعة ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع، كما ثمة عدة ملايين من الفلسطينيين اللاجئين يطالبون بتطبيق حق العودة.
وقد انطوى تعريف إسرائيل ذاتها بكونها دولة يهودية وديمقراطية على تناقض بيّن، فالتعريف باليهودية يعني إقصاء الآخرين (أي غير اليهود)، أي أنها بذلك تبدو بمثابة دولة عنصرية لليهود، تسعى لإخراج غير اليهود من دائرة المواطنة، وهضم حقوقهم. وإذا أخذنا هذا التعريف ببعده الديني فإنه يخرج، بمعنى ما، حتى اليهود من غير المتدينين من دائرة المواطنة أو الحقوق المدنية، باعتبارهم ليسوا يهودا خلّص، وفي كل ذلك انتقاص للديمقراطية. وثمة وجهات نظر تتعامل مع هذا الأمر، أي يهودية الدولة، من زاوية أخرى باعتبار القومية اليهودية كولونيالية.
وبحسب إيلان بابه فإن «قادة الصهيونية لم يريدوا فقط إنشاء مشروع كولونيالي، هم أرادوا أيضًا إنشاء دولة ديمقراطية. ولماذا أرادت أن تكون ديمقراطية؟! لأنكم إذا جمعتم معًا الكولونيالية الصهيونية والقومية الصهيونية ورغبة الديمقراطية، سوف تحصلون على احتياج ما زال يُملي سياسات ومواقف إسرائيل إلى يومنا هذا.. إلى مطابقة بين الأغلبية الديمقراطية والأغلبية اليهودية. وكل وسيلة لتأمين الأغلبية اليهودية هي مبرّرة ومقبولة، لأنه بدون أغلبية يهودية لن تكون هنالك ديمقراطية!.
حتى طرد العرب مقبول في سبيل جعلنا ديمقراطية!». بمعنى أن يهودية الشعب يجب ان تتطابق مع يهودية الأرض، وهذا هو جوهر مشروع حزب العمل بشأن وحدانية الشعب على حساب تكامل الأرض، والتخلص من ما يسمى الخطر الديمغرافي ومن احتمال التحول إلى دولة ثنائية القومية أو إلى دولة «أبارثايد»، وهو المشروع الذي اقترب منه حزب كاديما مؤخرا. أما حزب الليكود فيدعو للحفاظ على مبدأ تكامل «أرض إسرائيل»، والتخلص من السكان عبر منحهم حكما ذاتيا، ولو باسم دولة، في أرض تخضع للسيطرة الإسرائيلية.
رفض ليهودية الدولة
بأية حال فثمة إسرائيليون يرون أن ثمة هوية إسرائيلية وقومية إسرائيلية، وأن الكلام عن يهودية الدولة هو كلام يخص إسرائيل وحدها، ونقاش يجري بين الإسرائيليين، ويتم حسمه داخل المؤسسات التشريعية والقضائية. يقول أوري أفنيري: «من اليوم الأول عارضت تعريف هذه الدولة ك«دولة يهودية». أنا لا أعرف ماذا يعني دولة يهودية. لا أحد فسّر لي أبدًا.. ما هي؟ دولة تعبّر عن قيم يهودية؟ دولة قائمة على الدين اليهودي؟ دولة فيها أغلبية يهودية؟ دولة تابعة لكل يهود العالم، وقسم منهم تابع للأمة الأميركية، وقسم منهم تابع للأمّة الفرنسية؟ ما معنى الدولة اليهودية؟..
أنا أتبع لمجموعة من المواطنين الذين قدّموا التماسًا للمحكمة العليا لأجل محو التعريف «قومية يهودية» في بطاقة الهوية لدينا وتسجيل قومية إسرائيلية». وفي هذا الإطار بعثت جمعية حقوق المواطن (8/ 4/ 2007) برسالة إلى عضو الكنيست، البروفيسور مناحيم بن ساسون (رئيس لجنة الدستور والقانون والقضاء في الكنيست)، أكدت فيها «بصفتها أكبر وأقدم منظمة لحقوق الإنسان في إسرائيل، معارضتها تعريف الدولة «كدولة يهودية» وطالبت بالامتناع عن أي تعريف للدولة يتناقض مع أحد أسس الديمقراطية ألا وهو الحق في المساواة بين جميع المواطنين، دون فرق في القومية أو الدين أو الأصل العرقي..
مجرد تعريف الدولة في الدستور كدولة يهودية يخلق مبنى هرميا بين المواطنين اليهود ـ «أصحاب» الدولة ـ وبين المواطنين من غير اليهود.. مصطلح «دولة يهودية».. «دولة اليهود»، «دولة الشعب اليهودي» والخ هو مصطلح مبهم وله مدلولات مختلفة. وإدراجه كبند ملزم في الدستور يفسح المجال وبصورة خطيرة لتبرير سياسات التمييز وسياسات عنصرية تجاه كل من هو ليس يهوديا.
دولة كل المواطنين
وفي آخر صيحة احتجاج له ضد سياسات إسرائيل أكد ابراهام بورغ (وهو رئيس «الكنيست» ورئيس الوكالة اليهودية وأحد قادة حزب العمل سابقا) أن «إسرائيل ينبغي أن تكون دولة كل مواطنيها ومن غير المعقول أن تهزم صبغتها اليهودية صفتها الديمقراطية. وبرأيه فإن «العنصرية والفاشية والقومية المتطرفة تهيمن على إسرائيل وتنفي عنها صفة الديمقراطية».(20/ 6/ 2009) وكان هذا الكلام جاء ردا على محاولات بعض الأحزاب الإسرائيلية المتطرفة طرح قوانين واستصدار تشريعات من الكنيست بشأن تحديد الولاء لإسرائيل كدولة يهودية.
إضاءة
على الصعيد الخارجي فإن اعتبار إسرائيل دولة يهودية يستهدف التغطية على واقع عجز إسرائيل عن جلب اليهود إليها، وتحولها إلى وطن قومي لأغلبية اليهود في العالم، كما عجزها عن تشكيل دولة يهودية خالصة، بواقع وجود حوالي مليون وربع مليون فلسطيني داخل إسرائيل يحملون جنسيتها، وحوالي أربعة ملايين فلسطيني في الضفة والقطاع، كما ثمة عدة ملايين من الفلسطينيين اللاجئين يطالبون بتطبيق حق العودة.
وقد انطوى تعريف إسرائيل ذاتها بكونها دولة يهودية وديمقراطية على تناقض بيّن، فالتعريف باليهودية يعني إقصاء الآخرين (أي غير اليهود)، أي أنها بذلك تبدو بمثابة دولة عنصرية لليهود، تسعى لإخراج غير اليهود من دائرة المواطنة، وهضم حقوقهم. وإذا أخذنا هذا التعريف ببعده الديني فإنه يخرج، بمعنى ما، حتى اليهود من غير المتدينين من دائرة المواطنة.
ماجد كيالي