هل كان أحد يتوقع أن يتعرض الرجل الأول صاحب الكلمة العليا في البلاد.. مرشد الجمهورية الإسلامية والولي الفقيه آية الله علي خامنئي للنقد والهجوم على شخصه وولايته؟
ما كان محرما ومحظورا في العرف السياسي الإيراني على مدى الثلاثين عاما من عمر الثورة.. صار مستباحا. خلال أحداث طهران التي لم تنته فصولها.. تلاشت معظم الخطوط الحمراء التي ظلت مقدسة لثلاثة عقود. لم يكن أحد يتصور أن يتعرض المرشد وولايته للانتقاد والتحدي من جانب الرافضين لنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة. خطبة الجمعة التي ألقاها بعد أسبوع من إعلان الانتخابات، لم يتحملها الكاظمون الغيظ من سلطات المرشد المطلقة. أعلن ان نتائج الانتخابات ستبقى كما هي رغم احتجاجات الشوارع، وكشف صراحة أنه يؤيد بقوة أحمدي نجاد على منافسه موسوي.
معظم من يراقبون المشهد الإيراني الساخن، توقعوا أن تخرس الألسنة ويتلاشى الاحتقان في الشارع فور انتهاء المرشد من خطبته التي كانت صارمة وحازمة، ولا تحمل في طياتها أي تراجع يرضي الغاضبين الذين يبدو أن بعضهم أفزعه أن يفوز نجاد بالرئاسة مرة ثانية، متأثرين بلهجة وتحليلات أبواق الغرب التي أرادت أن تهيئ الشارع الإيراني ـ قبيل الانتخابات ـ بمغالطاتها وتحليلاتها لبزوغ رئيس جديد هو موسوي. لم يستجب الشارع الثائر للخطبة. التظاهرات استمرت. بل وخرج موسوي بتصريحات اتهم فيها المرشد الأعلى ـ من دون ان يسميه ـ بتهديد أسس الجمهورية الإسلامية والعمل على فرض نظام سياسي جديد، وهو انتقاد لم تجرؤ أي شخصية سياسية من قبل على توجيهه إلى خامنئي. وتلك هي المفاجأة.
المرشد.. يقال عنه الكثير خلف الكواليس. الأقوال تستهدف سلطاته. يقال إن كلمته التي قال فيها: «لن ترضخ المؤسسة ولا الأمة للضغوط مهما كان الثمن». تعكس تزايد الضغوط عليه من أجهزة وشخصيات سياسية ودينية لها وزنها. صحيفة «الاوبزرفر» البريطانية، زعمت أن الصراع انتقل من شوارع طهران إلى أروقة النظام. وقالت إن الشخصية المؤثرة رئيس الجمهورية الأسبق هاشمي رفسنجاني الذي يرأس مجلسين هامين في آن واحد، هما تشخيص مصلحة النظام ومجلس الخبراء، يخطط لتقويض نفوذ المرشد.
ويسانده في ذلك حشد من الشخصيات على رأسها موسوي ومهدي كروبي والرئيس السابق محمد خاتمي وبعض رجال الدين في قم. التقويض كما يفسره المراقبون المتطفلون، أن يكون الولي الفقيه «المرشد» مراقبا وليس قائدا لأركان النظام.. مسؤولا أمام مجلس الخبراء وليس مطلق الصلاحيات. وهذا يعني إعادة النظر في نظام ولاية الفقيه الذي أسسه زعيم الثورة الراحل الخميني. الأزمة كما يراها المراقبون.. لم تعد تتلخص في التساؤل من الأحق بالرئاسة نجاد أم موسوي، وإنما في من أحق بإصدار القرار، وما هو مصدر هذا القرار.. الشريعة وولاية الفقيه، أم الدستور. سلطات المرشد الآن باتت موضع تقييم وبحث وفحص حتى لا تظل مطلقة وكأنها مستمدة من سلطة إلهية.
خامنئي في مواجهة كل ما يقال خلف الكواليس كشف عن حرصه على وحدة الشعب، ودعا المتناحرين في اجتماعه مع المسؤولين القضائيين إلى عدم إثارة عواطف الشباب وعدم وضع الناس في مواجهة بعضهم البعض والامتناع عن المساس بوحدة الأمة.
على أي الأحوال.. لا يمكن القبول بأن يكون شخص خامنئي نفسه موضع تقييم. فالرجل تاريخه مشرف. ناضل ضد نظام الشاه المستبد. وحظي بثقة زعيم الثورة الذي اختاره بعد قيامها ليكون نائبا لوزير الدفاع، وهو أول مناصبه التي تدرجت حتى صار رئيسا للجمهورية ثم مرشدا. ومن خلال منصبه الحالي، استطاع أن يقيم توازنا بين التيارين الإصلاحي والمحافظ ومنع أي منهما من السيطرة نهائيا على مجرى الأمور. وعن نفسه قال وسط الأزمة الراهنة والدموع في عيون مستمعيه: «أملك حياة لا قيمة لها وجسدا عليلا وشرفا ضئيلا منحتموني إياه.
كل هذه الأشياء أضعها في قبضة يدي لكي استخدمها في طريق الثورة والإسلام». وقال إن هناك طرقاً قانونية لتسوية النزاع الراهن ويجب اتباع المعايير القانونية. ويتمسك المرشد دوما بأن يكون حكما وليس متسلطا على صانعي القرار. وهو حريص على أن يحقق التوازن بين الإصلاحيين والمحافظين. ويرى خامنئي أن النزال الدائر في الشارع خطأ، وعلى المسؤولين الذين لديهم نفوذ على الشعب أن لا يتصرفوا بشكل متطرف، لأن هذا التطرف يبلغ حد اللاعودة وسيكونون مسؤولين بشكل مباشر عن إراقة الدماء والعنف والفوضى، وقد علق على نتائج الانتخابات بالقول إن آليات النظام في إيران لا تسمح بحصول غش بفارق 11 مليون صوت، وهو الفارق الذي حسم المعركة لصالح نجاد.
إضاءة
علي حسيني خامنئي، وُلد عام 1939 في مدينة مشهد. من ذوي الأصول الأذرية. فجده من علماء أذربيجان المقيمين في النجف الأشرف. في عام 1958 دخل الحوزة العلمية في مدينة قم وأكمل دراسته الدينية العالية. أدت نشاطاته السياسية وحلقات التدريس إلى اعتقاله خمس مرات من قبل جهاز السافاك في نظام الشاه. بعد إطلاق سراحه منتصف السبعينات عاد إلى مدينة مشهد وعاود مزاولة نشاطاته العلمية والثورية، طبعاً مع حرمانه من عقد حلقات تدريس المعارف. تدرج بعد الثورة في عدة مناصب بدأت بمنصب نائب وزير الدفاع ثم مسؤول الحرس الثوري.
حسن صابر