يخطيء من يعتقد أن ما شهدته إيران من تظاهرات، على خلفية نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة هو وليد الحدث، وإنما تمتد جذوره إلى سنوات سابقة من عمر الثورة الإيرانية. ففي بداية الثورة الإسلامية وفي وجود الإمام الخميني قائدها، سيطر تيار من رجال الدين عليها أصبحوا فيما بعد يعرفون في وسائل الإعلام بأنهم اليسار الديني الراديكالي.

ولكن مع تولي السيد علي خامنئي منصب المرشد وعلي اكبر هاشمي رفسنجاني منصب الرئيس، تهمش هذا التيار لصالح اليمين الديني المحافظ الذي سيطر على مؤسسات الدولة، خاصة القضاء، ومجالس الخبراء وتشخيص مصلحة النظام وصيانة الدستور، وهنا بدا الصراع بين التيارات المختلفة داخل نظام الحكم وكلهم ينتمون إلى نفس الأيديولوجية ومن داخل نظام ولاية الفقيه، والاختلافات بينهم هامشية بالفعل وليس جذرية أو حول أمور استراتيجية.

وحسب تحليل المفكر العربي عزمي بشارة فان النظام الإيراني شمولي وليس مجرد دولة سلطوية. وهو نظام مركزي قوي بنظم إدارة ورقابة متطورة، ويحكم بموجب أيديولوجية تتوق إلى أن تتخلل كافة نواحي الحياة. وتعمل بدلا عن الحزب وتنظيمات الشباب، ويعتمد على تنظيمات واسعة تجمع بين الأمن والأيديولوجية وحتى المنفعة لفئات واسعة من السكان، خاصة عبر «الباسيج».

كما يعتمد على شبكة واسعة ومنظمة من الملالي، وعلى تسيس أجهزة الأمن والحرس الثوري. ولكن بشارة يرى ان هذا النظام يختلف عن النظم الشمولية التي نعرفها بأمرين مهمين جدا، بل فاصلين عن الأنظمة الشمولية الأخرى: فلم نعرف نظاما شموليا يتبنى قدرا من التنافسية الدستورية داخله وضمن أيديولوجيته مثل النظام الإيراني، وهو تنافس منظم في انتخابات تطرح فيها برامج مختلفة فعلا في إطار قواعد اللعبة المتفق عليها.

- الفرق الأول: لم نعرف نظاما شموليا يتبنى هذا القدر من التنافسية الدستورية داخل النظام الحاكم وضمن أيديولوجيته، وهو تنافس منظم في انتخابات تطرح فيها برامج مختلفة فعلا في إطار قواعد اللعبة المتفق عليها، كما تختلف الأحزاب في الإطار الرأسمالي مثلا.

- الفرق الثاني: أن الأيديولوجية الرسمية التي تتخلل عمل المؤسسات الحاكمة والحيِّز العام والتربية والتعليم كهوية وكمرشد في العمل، هي دين حقيقي تؤمن به غالبية الناس أصلا، وهي ليست دينا إلحاديا أو دنيويا كما في حالة الشيوعية والفاشية لا تؤمن به إلا نخبة من الحزبيين الذين لا يلبث إيمانهم أن يتحول إلى مجرد مصلحة، ولا يؤمن به حتى أبناؤهم.

وحدة الأيديولوجيا

وهذا التحليل مهم جدا لفهم ما حدث في إيران الأسبوعين الماضيين من خلاف حول نتائج الانتخابات الرئاسية، فالفريقان المتنازعان كانا ينتميان إلى نفس الايديولوجيا، وانتفاضة الإصلاحيين تتم داخل هذا الإطار بما فيه مسلمات الجمهورية الإسلامية. ولكن الانتقادات الموجهة للنظام من قبل جمهور واسع من الشباب الذين انضموا إلى الإصلاحيين خاصة من أبناء الطبقات الوسطى المتواصلين مع العالم، هي انتقادات معارضة لأصولية النظام الدينية، وتذكِّر بانتقادات الشباب في أوروبا الشرقية لأنظمتهم التي رأوا أنها تحرمهم من حرياتهم الفردية والذاتية، ومن اختيار نوع حياتهم، ومن نمط الحياة الاستهلاكية.

وطبعا كالعادة، قسم من هذه الادعاءات صحيح، وقسم آخر ترديد لأساطير ينشرها الإعلام الغربي، وقسم أخير هو عدم رضا، وبحث عن معنى جديد في العمل السياسي ذاته. والحاصل ان الشباب الذي خرج إلى الشارع ولد كله في أعقاب الثورة، وتأثر بما حدث في بلاده من تحولات في الفترة التي حكمها الرئيس محمد خاتمي والتي شهدت انفتاحا ثقافيا وفنيا، فضلا عن التحولات الاجتماعية الواضحة التي دفعت المؤسسة الحاكمة لان تقف وراء الرئيس نجاد في انتخابات عام 2005 خشية على الثورة من الانحراف لصالح القيم الغربية.

ويأتي ذلك نتيجة لوجود ثقافة مضادة شبه سرية لدى الشباب الإيراني، فحسب ما كتبه هومان مجد فان الشباب الإيراني يمثل ثلاثة أرباع السكان. لكن في حين يركز الشبان الإيرانيون على الاستمتاع شأنهم في ذلك شأن الشبان في مختلف أنحاء العالم، فإن الحقوق التي نعتقد عادة أنها غير موجودة في إيران، مثل حق المرء في ارتداء الملابس التي يريدها والتصرف كما يحلو له، لا تندرج ضمن اهتماماتهم الأساسية. فهم يستطيعون بشكل عام أن يفعلوا ما يحلو لهم خلف الأبواب المغلقة.

فهم يستطيعون مشاهدة أفلام هوليوودية تُعرَض لأول. ويستطيعون أيضا تناول الكحول التي يجري تهريبها عبر كردستاني، وحتى تعاطي المخدرات الأرخص ثمنا. وحتى من يثورون على المناخ الاجتماعي المتقشف فخورون بانتمائهم الفارسي وتاريخهم وثقافتهم بقدر أي إيراني آخر. وعلى الرغم من أنهم أثرياء وكثيرو الأسفار، ومن أن التغريب اجتاحهم في جوانب عدة من حياتهم في شكل عام، فإنهم يريدون أن تكون بلادهم مستقلة عن الشرق والغرب على السواء.

دور الشباب

والذي يؤكد ما نذهب إليه حول أن الصراع بين طرفين من داخل المؤسسة هو أن موسوي الذي خرجت الجماهير لتأييده والتي انتفض الشباب بعدما شكك في نتائج الانتخابات، هو من عصب المؤسسة الحاكمة في إيران، ذلك أن حماسه الثوري جعل منه شخصية بارزة في السنوات الأولى للثورة الإيرانية. فموسوي الذي درس الفن والعمارة حقق انقلابا في مسيرته بعد سقوط الشاه عام 1979، وبنى لنفسه سمعة باعتباره يساريا ملتزما وتابعا مخلصا لآية الله الخميني. وقد خدم كرئيس للوزراء معظم عقد الثمانينات من القرن الماضي وترك السياسة عام 1989 بعد وفاة الخميني.

ومعظم مؤيديه في الانتخابات الرئاسية السابقة أصغر من أن يتذكروا ذلك الزمان، حيث بدا متوسط أعمارهم نحو 25 عاما. والحقيقة أن نحو 75 بالمائة من سكان إيران هم دون الـ 30 من أعمارهم. أما موسوي فهو في الـ 68. وهذا الأمر اي الشريحة السنية لمؤيدي موسوي ونسبتهم إلى عدد السكان، فضلا عن أن استطلاعات الرأي التي جرت قبل إجراء الانتخابات أجمعت على تفوقه، هي التي دفعته الى التأكيد على أن النتائج التي أعلنت غير صحيحة.

والحاصل ان المجتمع الإيراني الذي يبدو من الخارج وكأنه جامد ومتزمت ومتماسك، هو غير ذلك على الإطلاق فهو مجتمع يمور بالتفاعلات السياسية والاختلافات الفكرية والصراعات الاجتماعية، لكن كل ذلك يدار من قبل نخبة تتميز بالكفاءة والحنكة، وتتعامل مع كل ذلك باعتبار انه صراع من داخل أيديولوجية الدولة ومن داخل نفس الاتجاه السياسي، والاختلاف الذي حدث هذه المرة هو أن القيادة الدينية خشيت من أن يكون هناك يد أجنبية تسعى إلى استثمار التوترات، وكانت انتفاضات دول أوروبا الشرقية عام 1989 في ذهنها وهى تتعامل مع الأحداث.

«بروسترويكا» إيرانية

ونفس هذا السبب، هو الذي دفع المؤسسة الإيرانية الحاكمة، لان تدعم تيار المحافظين في مواجهة الإصلاحيين في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق محمد خاتمي، لأنها قرأت ما يريد الرئيس إدخاله من إصلاحات باعتباره «بروسترويكا» إيرانية يمكن أن تحدث نفس التأثيرات التي حدثت في الاتحاد السوفيتي السابق. والحاصل ان انتخاب نجاد عام 2005 كان احتجاجيا، ومن قبل الشباب قبل غيرهم على المحافظين الذين شهد حكمهم ومؤسساتهم تجاوزات، وعلى الإصلاحيين الذين وعدوا الناخب بالتغيير وفشلوا في تحقيقه.

وبعض الإصلاحيين من المناضلين والمبدئيين فعلا، ومنهم من شاركوا في الثورة ومنهم من لم يشاركوا. ولكن بعضهم يجمع أحيانا بين الدفاع عن الحريات والدفاع عن الفساد. وهؤلاء يحددهم عزمي بشارة في الفئات التي تجمع بين الدفاع عن الامتيازات الاقتصادية وعن الحريات والانفتاح في الوقت ذاته، موجودة عربيا في أكثر من دولة، وهي فئات نيوليبرالية، لا هي ليبرالية فعلا، ولا هي ديمقراطية، الأمر الذي سبب ارتباكا في أجهزة الدولة واثر على الوضع الاقتصادي.

ومن الملاحظات الجديرة بالإشارة انه منذ الانتخابات السابقة لم تتعزز قوة التيار الإصلاحي، بل ازداد ضعفا وتفككا. والنتائج التي حاز عليها في الانتخابات الأخيرة كانت مفاجئة لمن يعرف إيران لخاصة فيما يتعلق تبلور هذا التيار كقوة من جديد، خاصة بعد انهياره تحت وطأة مرحلة خاتمي وبعض القمع لامتداداته الشعبية في الجامعات وغيرها.

ولا شك أن الانتخابات الحالية وضعته على الخريطة ولكن ليس بشكله السابق، بل كتحالف مع فئات واسعة من المحافظين. لم تكن التوقعات الخاصة بقوة التيار الإصلاحي نتيجة لاستطلاعات متاحة للرأي العام، بل خلقها الإعلام الغربي وغير الغربي المعادي لنجاد، بما يعني اننا لا نستطيع ان نتكهن بالتطورات المستقبلية نتيجة لغياب المعلومات حول الصراع بين التيارين الاصلاحي والمحافظ الجديد الذي ينتمي إليه الرئيس نجاد.

قوة نجاد

واذا كانت القوى الداعمة لموسوي وكروبي في الوقت الراهن تتخطى الفصائل المعروفة لهذا التيار حيث تضم بعض الفصائل المحافظة، لان نجاد ليس ممثلا لتيار المحافظين بقدر ما هو متمرد عليهم من داخل مؤسستهم.. إنه كمن ينتقد سلوك المحافظين، بمن فيهم رجال الدين الذين فسدوا- معتمدا على مبادئ الثورة الإسلامية.. إنه من النوع المحافظ بالمعنى الأصولي، أي أنه يريد أن يعيد إلى الثورة شبابها وبريقها. ولا شك أنه يذكر موسوي بشبابه.

وهو له قاعدة شعبية تتكون من الفقراء المهمشين وحسب تحليل عزمي بشارة أيضا فان فاعلية خطابه الشعبوي تفوق فاعلية خطاب الإصلاحيين، ومن هنا عودته إلى الإمام الخميني وقاعدته الشعبية الفقيرة وتقشفه.. ومن هنا فإن توزيع عائدات النفط على الفقراء والتقرب منهم شكل تعويضا عن فشل السياسات الاقتصادية.. ومن هنا فإن عدم فساده شخصيا عوَّض عن عدم مكافحته الفساد بشكل جدي. ونظرا لكل هذة السمات المتوفرة في نجاد أصبحت لدية قاعدة شعبية عابرة للطبقات، ان كان الأغلبية العظمى فيها ممن هم غير مصنفين طبقيا.

ويمكن القول ان المباراة التي جرت في إيران الأسبوعين الماضيين كانت بين طرفين متعددي الفصائل الأول هو الباسيج والباسدران اى القوى الأمنية النافذة المتحالفة مع المؤسسة الدينية ولهم قاعدة اجتماعية من الفقراء المهمشين، وهذا هو الطرف الذي دعم الرئيس نجاد، وكان الطرف المواجه هو الطبقة الوسطي والمثقفين والنساء وطلاب الجامعات من غير الفقراء وبعض قوى البازار. والمحصلة النهائية كانت لصالح الطرف الأقوى لأنه يمثل عصب المؤسسة الحاكمة في إيران، وهذه الأخيرة لن تتراجع أو تنهزم لان ذلك يمكن أن يعني ضمنا تفكك المؤسسة الحاكمة في إيران، وهذا أمر غير مطروح في الوقت الراهن لأنه مؤسسة متماسكة وقوية.

شرخ في النظام

وما حدث من ضجة بشأن الانتخابات الإيرانية الأخيرة، أحدث شرخا في النظام، هو الأمر الذي سيدفعه إلى التعامل معه في المستقبل، عبر آليات متعددة تعود النظام الإيراني عليها، لأنه حريص على تماسك قاعدته الاجتماعية، ومثله مثل كل الأنظمة الشمولية، يسعى إلى الإبقاء على تحالفات اجتماعية متعددة لكي تكون هي قاعدته السياسية التي لا يفرط فيها. وبالتالي فان سلوك هذا النظام مستقبلا سينصب على إزالة هذا الشرخ، وإعادة اللحمة إلى المجتمع الإيراني.

وكل ذلك لا ينفى أن هناك حربا باردة تنفذ ضد إيران، ولكنها تعتمد على تطورات الدخل ولا تنطلق من فراغ. وكل ذلك يؤكد أن النظام الإيراني يمكن أن يواجه أزمة داخلية إذا لم يتعامل مع تداعيات الأزمة الحالية من خلال إجراءات استرضائية للقوى الاجتماعية التي تمردت عليه، ومن خلال أعادة دمج رموز الإصلاحيين داخل النظام بعدما تم تهميشهم في الفترة الماضية، فبذلك فقط يتفادى النظام الآثار السلبية للازمة الأخيرة.

خالد السرجاني