إحدى أهم دول الجوار الإقليمي للعالم العربي وزنا وتأثيرا تعيش مخاضا صعبا، ومع ذلك فإن أغلب المسؤولين العرب صامتون، ووسائل الإعلام مشتتة لا تعرف من تساند ولماذا تساند ؟ كما أن الرأي العام حائر لا يعرف إن كان ينبغي عليه أن ينظر بإعجاب لتجربة ديمقراطية لا تبعد كثيرا عن حدوده رغم تداعياتها المؤسفة التي تدخل حتى الآن في باب الجدال السياسي العنيف أو أن يتنفس الصعداء حامدا الله أن مثل هذه الديمقراطية لم تمر ولو مصادفة ببلاده، لأن نتيجتها عدم استقرار، كما يحلو الوصف لمناصري الديكتاتوريات القائمة.
لكن أغلب الظن أن النخب العربية لم تكلف نفسها عناء معرفة حقيقة ما يجري ولا أبعاده وتأثيراته على القضايا العربية، ومن ثم فإن بعضها سعيد بما يجري باعتباره زلزلة لولاية الفقيه، وبعضها الآخر لا يزال على إقتناع بأن نجاد كموسوي، الاثنان من أبناء النظام، ومن ثم فإن أي تغيير حقيقي لن يحدث، وربما يجاهر البعض بأمنيته لو ساند الغرب ابن الشاه السابق محمد رضا بهلوي كي يعود لطهران ولو على دبابة مثلما فعل الساسة الحاكمون الآن في العراق.
وسط هذا الضباب الذي عادة ما يغلف الرؤى العربية وجدت وسائل إعلام نفسها منساقة بإيعاز من مالكيها في تأييد الاحتجاجات على طول الخط متماهية في ذلك مع توجهات أوروبية وحتى إسرائيلية. ربما يكون الدافع تخليص حسابات مضت مع أطراف عربية محسوبة على إيران من طهران نفسها، أو الانسحاق أمام ثنائية روجتها المخابرات الأميركية على نطاق واسع خلال عهد بوش، وهي السني مقابل الشيعي، فتحدثت عن هلال شيعي يمثل خطرا على المنطقة، حتى تتناسى قصور السلطة الثنائيات القديمة العرب في مقابل إسرائيل، ودعاوى الوحدة في مقابل الالتحاق بالركب الغربي.
ولم ينظر أحد إلى اليوم التالي الذي يمكن أن يتحقق إذا ما جاء الاصلاحيون إلى السلطة في إيران بدعاواهم التي جهروا بها خلال فترة الدعاية الانتخابية، ومنها أن مساندة حركات المقاومة يكلف طهران أعباء طائلة، وأنه ليس هناك مبرر لمعاداة إسرائيل ولا معاداة الغرب.
صحيح أن تحول إيران بهذا الشكل الذي يريده الإصلاحيون سيعفي العواصم العربية من حرج كبير، فكثيرا ما ظهر تخاذل هذه العواصم في مقابل إقدام إيران سواء في تحدي الغرب أو تحدي إسرائيل، كما عقدت مقارنات لم يكن منها مفر بين كون إيران دولة ممانعة (يفسرها البعض على أنها ملكية أكثر من الملك) في مقابل عواصم تحبذ إنهاء الصراع الطويل مع إسرائيل ولو عبر الاستسلام.
صحيح أن المحافظين في طهران يثيرون أحيانا نعرة فارسية، وصحيح أيضا أن نظام محمد خاتمي الإصلاحي حاول مد جسور مع العالم العربي، لكن موسوي ليس خاتمي، كما أن الأخير لم يكن يحظى بكل هذا الترحيب الذي يثير المخاوف من الانقلاب على كل تراث الثورة الإيرانية، والعودة للسياسات التي تم انتهاجها أيام الشاه، وبالطبع فإن لعب طهران دور حارس المصالح الغربية في المنطقة لن يفيد الشعوب بقدر ما يبيض وجه السلطات التي تريد دولة متماهية مع نفس الدور الذي يلعبونه، كما انه قد يحل مشاكل قصيرة الأمد، لكنه سيخلق أزمات لا نهاية لها على المدى البعيد.
المهم في كل ذلك انه ينبغي على العرب أن يدرسوا ويتمعنوا فيما يجري لا أن ينساقوا كقطيع خلف دعوات ليست بريئة على أي حال