طهران عاصمة ذات نفس طويل في السكون والغليان. هكذا عندما تنهض من سباتها لا تركن للانكفاء في غضون فترة وجيزة. كذلك كان حال المدينة الراقدة في حضن الجبل لما هبت في 1979. غليان الغضب تواصل شهوراً في الشارع نهاراً وفي الليل على أسطح المنازل. الغضب العارم استعصى احتواؤه على أجهزة القمع المدربة على الترهيب والترغيب.

في طبع طهران إبداع شعبي ثر على المقاومة بما تيسر. هكذا استخدمت المدينة المنشورات في الخمسينات واستعانت بأشرطة الكاسيت في السبعينات. ها هي تستعين بالموبايل والتيوب والتويتر على عتبة القرن الجديد. هكذا حال الشارع في طهران عندما ينفجر يتغذى التيار الشعبي الجارف بروافد عدة من الرافضة. قيام الجمهورية الإسلامية لم يأت بسواعد أنصار الخميني وحدهم. ثمة أقليات اثنية وليبراليون وديمقراطيون ويساريون ومثقفون وتجار من منابع متباينة ساهموا في التيار الدافق آنذاك. مثلما تأكل كل الثورات أبناءها غاب عديد من الوجوه الفاعلة إبان الغليان عن المسرح بعد الاستيلاء على السلطة. مبكراً احتجب مهدي بازرجان، أبو الحسن بني صدر، إبراهيم يزدي وقطب زاده. لكل محتجب طريقته التي بها تم تغييبه. عديدون الذين تم تغييبهم في أقبية السجون أو في القبور في أتون الاحتدام الداخلي، محاكم خلخالي أطبقت على الأخوة الفرقاء.

الخلافات لم تقصف فقط بالساسة والمثقفين. للصراع داخل النخبة الحاكمة ضحايا من المعلمين في المدارس وأروقة صنع القرار. من أبرز الخاسرين شريعة مداري مبكراً ومنتظري أخيراً. بعض روافد الاحتقان في الشارع تتغذى من الانقسام في قمة هرم النظام. كما هو الحال في ظل الجمهورية يلعب رفسنجاني دوراً مفصلياً في التصعيد والتهدئة. الرجل ليس عنصراً محايداً بل أحد محاور الانقسام. الرئيس الأسبق القادم من البازار يدير اللعبة السياسية بعقلية مقاول متمرس في المساومة.

رفسنجاني وحده فرض نفسه ملك البراغماتية في طهران. هو يحذق مهارة التأرجح بين الشارع والعمائم. كما في السابق التدافع الإيراني الغاضب لا يخرج كله من تحت عباءة الفقيه. هناك ليبراليون ويساريون وأقليات متباينة. العنصر المشترك بين الجميع الإصلاح غير أن بعضها يستهدف اقتلاع النظام. الغاية الثانية بعيدة المنال بمنطق الظرف التاريخي، الإصلاح صلب المعركة الإيرانية. انقسام الطبقة الحاكمة هو الأكثر حدة في سيرة الجمهورية الإسلامية. التيار الإصلاحي يفتقد التنظيم كما يفتقر إلى القيادة.

عندما يخبو احتدام الشارع يتصاعد جدل الداخل والخارج. هذكا حال طهران. موسوي مثل كروبي ليس القائد الملهم لتيار الإصلاح. إبان المواجهات بدر من المرشح الرئاسي ما يدعو إلى الإحباط أكثر مما يحرض على الإلهام. باصطفاف رفسنجاني، لاريجاني وخاتمي مع موسوي ورضائي تبدو جهة الانشقاق في اتساع. مشكلة المتظاهرين في الشارع مع المنشقين ان هؤلاء يرفضون الحديث عن الثورة والثورة المضادة. هذه رؤية خامنئي ونجاد. ما من منشق يجرؤ على رفع شعار ثورة داخل الثورة.

هكذا طهران لها قدرة فائقة على الاحتمال والاصطبار.

ثم حالة ثورية في الشارع لكنها لم ترق بعد إلى نضوج فعل ثوري. بعدما نهضت طهران من سباتها فإنها لن تركن للاستسلام الممتد 30 سنة.

الباسيج ليس أكثر شراسة من السافاك. الشارع ليس مسرح حسم الصراع الحالي. طهران مدينة تنام وتنهض على رصيد شعبي ثرٍ وإرث حضاري خصيب