لم يسبق أن واجه العالم تحدّيات كونية عاتية ومستعصية، كما يواجه اليوم. يزيد من خطورتها أنها تقترب من استحقاقات حاسمة، في لحظة يبدو فيها المجتمع الدولي غارقاً حتى أذنيه بأزماته ونزاعاته، الاقتصادية والسياسية والعسكرية ـ خاصة الشرق أوسطية منها ـ مشغول ومنهمك بمتابعتها وبالبحث عن مخارج وحلول لها. وهذا شيء طبيعي ومفهوم، لكونها مشكلات من العيار الثقيل ومفتوحة على الأدهى. لكن الخطير، أنه منشغل بها على حساب كوارث قيد الصيرورة، تهدّد الحياة البشرية برمتها، بلغ تفاقمها أو قارب، الخطوط الحمراء؛ من دون أن تحظى ولو بالحد الأدنى من الاهتمام والمسؤولية والجدّية.

والأخطر، أن منها ما هو أبدي الضرر، لو بقي متروكاً على حالة التردّي التي تحكمه. يتعذر تصحيحه والعودة به إلى الوضع الذي كأنه، إذا تجاوز التدهور حدوداً معينة. المقلق، بل ما يحمل على التخوف، ان مثل هذا التدهور يتواصل وبوتيرة متسارعة، ليس هناك أسرع منها سوى التحذيرات المتوالية عن الجهات المختصة والداعية إلى وجوب التحرك الفعال من دون خسارة وقت. المفجع، أن التجاوب بالكاد ملحوظ، من جانب أصحاب الحول والطول. قضايا البيئة والمياه والمجاعة الزاحفة واللاجئين، كلها تقرع ناقوس الخطر. في المقابل، تبدو الحلول، أو الخطوات الكابحة على الأقل، إما ورقية خطابية وإما غائبة، تهرباً أو تجاهلاً.

آخر تقرير بيئي، استند إلى خلاصة مؤتمر شارك فيه حوالي ألفي باحث متخصص من كل أرجاء العالم، يحذر من تحولات مناخية «قد تحصل بصورة مفاجئة وغير قابلة للعودة عنها». التوقعات مخيفة: ارتفاع مستوى مياه البحار بمعدل متر واحد، ذوبان كتل جليدية في المتجمد الشمالي ـ أهم دور لهذا الجليد أنه يعكس أشعة الشمس ويردها إلى الغلاف الجوي وبالتالي يخفف من ضررها ـ ارتفاع الحرارة على سطح الأرض وارتفاع حموضة المحيطات؛ وغير ذلك من التغييرات المرجحة والتي تتخطى التقلبات الطبيعية المعروفة. أصوات العلماء تهدر بالتحذير.

بل بالإنذار. الدول الكبرى، أميركا، الملّوث الأكبر، الصين الهند وغيرها، تعطي الأولوية لمعدلات النمو واستطراداً المنافسة والهيمنة. مؤتمر كوبنهاغن على الأبواب، في ديسمبر القادم. اتفاقية مناخية تعقب كيوتو وتكون أشمل وأفضل منها، باتت مسألة بقاء. وإذا كانت البيئة هي الأهم والأخطر، إلاّ أنها ليست الأشد وطأة؛ في اللحظة الراهنة.

التقارير الأخيرة تكشف عن أرقام مذهلة لانتشار المجاعة ـ أكثر من مليار جائع، بزيادة مئة مليون في السنة الأخيرة لوحدها؛ حسب إحصاءات «الفاو» ـ والفقر، حيث بات يعيش أيضاً أكثر من مليار إنسان في مدن الصفيح، وفق تقرير منظمة العفو الدولية. أرقام المياه تنذر هي الأخرى بأزمة حادة، حذّرت الأمم المتحدة بقرب انفجارها مع حلول عام 2025. عقدت مؤتمرات كثيرة لاستباقها. لكن المقترحات بقيت حبراً على ورق. المأمول من المؤتمر العالمي للمياه المزمع عقده في دبي، نوفمبر القادم؛ أن يخرج بقرارات فعالة.

المرحلة الراهنة فريدة بمخاطرها الشمولية الكاسرة. تحديات طبيعية تضافرت مع انهيارات ـ مالية واقتصادية ـ وصراعات مفتوحة على انفجارات بركانية. العالم مأخوذ بهذه الأخيرة، فيما البشرية مهدّدة بكوارث جماعية. الاهتمام منصب على الجزئي، على حساب الكلي. ضغوط ومصيرية هذا الأخير، لم تعد تسمح بترف التأجيل؛ بالرغم من ثقل هموم الأزمات الآنية. أساس كل هذه الأزمات والتحديات، يكمن في القرار السياسي. هو العلّة. وهو مفتاح الحلول