ليست هذه دعاية لكتاب أصدرنا ترجمته العربية منذ أسابيع لكن قضايا الكتاب وطروحات مؤلفه، وهو المفكر الكندي رالستون سون أصبحت في تصورنا محوراً من المحاور المهمة التي لا بد وأن نطل من منظورها على مسرح السياسة والاقتصاد في عالمنا.. والكتاب بدوره ـ كما يدل عنوانه ـ يناقش ظاهرة خطيرة يلخصها العنوان التالي:انهيار العولمة

وبمعنى أن دعوات التبشير بالتحولات التي أوصلت العالم إلى أن يكون «قرية كوكبية» أصبحت بحاجة إلى مراجعة نقدية تصدر عن نظرة موضوعية لسلوكيات الدول والقيادات والنظم السياسية على السواء.

وبديهي أن بدأ هذا التبشير بظاهرة العولمة في سياق العقد الأخير ـ التسعينات ـ من القرن الماضي، وربما كانت «ضربة البداية» متمثلة في أول معول هوى في وسط مدينة برلين ليؤدي في النهاية إلى تحطيم السور الشهير الذي كان من الناحية المادية يفصل شرقي العاصمة الألمانية (الشيوعي) عن غربها (الرأسمالي) فيما كان من الناحية المعنوية يجسد رمزا لصراعات الحرب الباردة بين معسكر الشرق بقيادة الاتحاد السوفييتي الذي كان، ومعسكر الغرب بقيادة الولايات المتحدة التي خرجت من «أتون» تلك الحرب الباردة مكللة ـ وقتها على الأقل ـ «بأكاليل الانتصار» على الخصم الروسي..ومبشرة وقتها بما وصفه رئيسها جورج بوش ـ الأب بأنه «نظام عالمي واعد وجديد».

بيد أن انهيار جدار ـ سور برلين لم يكن سوى إشارة رمزية، في التحليل الأخير تدل على سقوط أهم حاجز كان قائماً وفاصلاً بين عالمين وعقيدتين سياسيتين وخصمين ظلا يتبادلان العداء، ولكن على مهاد من إنجازات التقدم العلمي والإبداعي على مدار سنوات الحرب الباردة، التي امتدت ـ كما نعرف ـ بين عام 1945 مع انتهاء الحرب العالمية الثانية وعام 1989 الذي شهد، كما أسلفنا، انهيار سور برلين.

مبادرة رياضية

كانت المسألة أقرب إلى مبادرة في لعبة «تنس الطاولة»:كلما أحرز واحد من الفريقين ضربة صائبة للكرة..تحفّز الفريق المنافس لضربة مقابلة..هكذا بدا الفريق الأميركي بضربة ـ صاعقة بكل المقاييس حين سجل هدف التوصل إلى تحطيم الذّرة، وتمكّن من صنع ومن ثم تفجير أول قنبلة ذرية في التاريخ..وقبل أن تهدأ أنفاس الظفر عند الأميركان..كان الفريق الروسي قد صّد الكرة متوصلا مع انتهاء عقد الأربعينات إلى صنع وتجريب قنبلته النووية ومحققا ما أصبح يعرف في مصطلحات السياسة الدولية بالعبارة التالية:ميزان (بمعنى توازن) الرعب النووي.بعدها..نشطت حمّية الفريق الروسي ـ السوفييتي إلى حد إطلاق أول قمر اصطناعي في التاريخ حمل اسم «سبوتنيك»

ولم يكن هذا الحدث الذي شهده عام 1957 مجرد عملية إبهار سوفييتية استرعت أنظار عالم ذلك الزمان.. بقدر ما كان فتحا علميا واختراقا تكنولوجيا أومأ إلى قدرة الإنسان ـ بفضل جهود دؤوبة في مجال البحث والتطوير ـ على الشروع في غزو الفضاء، وهو الشروع الذي ما لبث الفريق السوفيتي أن شفعه بإطلاق أول إنسان يخترق بكيانه البشري طوق الجاذبية الأرضية ويحلق في أجواء الفضاء (يوري جا جارين) وكان قد سبقه على سبيل التجريب العلمي رحلة أول كائن حي إلى الفضاء أيضا (الكلبة لايكا).

وحسب قوانين لعبة التنس (الدولية) التي ألمحنا إليها..استجمع الفريق الأميركي كل قواه وجَهَد في حشد جميع إمكاناته واستنفار كل ما يسعه من طاقات، فكان قرار الرئيس جون كينيدي بالتصميم على النزول ـ أميركيا بالطبع ـ على سطح القمر..وهي عملية تشهد للقوم بفضيلة النَفَس الطويل بمعنى ترجمة هذا التصميم الأميركي من مجرد عزم قومي في فاتح عقد الستينات إلى عملية ارتياد وإنزال ناجحة فوق سطح القمر وأيضا لأول مرة في التاريخ (رحلة أرمسترونغ) في أواخر عقد الستينات ذاته.

عاملان مهمان

على مهاد هذه المباراة العلمية..واصل الأميركيون المسيرة..وتواصلت معهم جهود أخرى من جانب غربي أوروبا ثم اليابان..فكانت مسيرة الإنجاز نحو قطبي العولمة الأساسيين وهما:

(1) اتصالات الأقمار الساتلية (الاصطناعية).

(2) اكتشاف قدرات الحاسوب الإلكتروني التي أفضت إلى دخول شبكة الإنترنت في حياة أهل كوكبنا.

من هنا، وعندما حل عقد التسعينات..كانت أميركا قد نعمت بشعور الانتصار على خصمها السوفييتي..وكانت قد تناهت إليها ثمرات الاتصالات اللحظية في إعلام الصوت والصورة واتصالات الهواتف الخلوية المحمولة..فضلا عما أنجزه العبقري «بيل جيتس» في دنيا الاتصال الشبكي الحاسوبي بكل ما أحدثه هذا كله من «ثورة» ـ هي بالقطع الحدث الباهر التالي للثورة الصناعية التي شهدتها العقود الأولى من القرن التاسع عشر..دع عنك ما كانت ترنو أميركا إلى تحقيقه مع فاتح التسعينات سواء في دنيا الاقتصاد من فوائض مالية ناجمة عن زوال الخطر السوفيتي ومن ثم إمكانية تخفيض ميزانيات التسلح ذات الأرقام الفلكية (وخاصة خلال حقبة ريجان على مدار الثمانينات) وهو ما اصطلحت أدبيات الأمم المتحدة على وصفه بعبارة «أرباح السلام»..أو في دنيا السياسة والإعلام حين تعززت مكانة أميركا في تلك الفترة بعد مشاركة نظام بوش الأول في حرب تحرير الكويت.

انتهاء العولمة منقادة

تجمعت هذه العوامل الإيجابية، كما أوضحناها، لكي تجعل من العولمة ظاهرة تصّب أساسا في مصلحة أميركا..أو في اتجاه قيادة أميركا لدنيا العولمة وكأنما تصدق عليها كلمات بيت الشعر العربي القديم:مع قدر من التحوير وتجاهل الوزن الشعري:أتتها العولمة منقادة إليها تجرر أذيالها.الخ

ولقد نجازف بالقول ان الولايات المتحدة ظلت على مدار عقد التسعينات ـ وهو قوام حقبة ولايتي الرئيس الأسبق بيل كلينتون ـ تنعم بهذه المكانة حيث كان ثمة أموال تتدفق، وأنماط من الاستهلاك غير مسبوقة يجري اتباعها، ومكانة ملحوظة تتجلى، وشعور بزهوة الظفر يسري في أوصال المجتمع الأميركي وربما الغربي بشكل عام.

وشاءت المقادير أن تأتي سنوات القرن الجديد بإدارة بوش الابن مع ما رفعته من شعارات محاربة الإرهاب الدولي..وما حشدته من قوات وقدرات تكلفت بدورها اعتمادات باهظة بل فلكية الأرقام..فما بالك وقد تم هذا كله في إطار منظومة الحكم المستندة ـ كما هو معروف في أعراف السياسة الأميركية إلى عقيدة المحافظين الجدد حلفاء الحزب الجمهوري من حيث الحرص على خفض الضرائب عن كاهل الطبقات الأوفر حظا في المجتمع..مع تكريس سياسة الحرية الاقتصادية بغير حدود بعيدا عن ممارسة الدولة ـ وهي حارسة التواؤم الاجتماعي ـ لأي دور يعتد به في مجال تنظيم أو ضبط أو ترشيد حركة النظام الاقتصادي.

هكذا جاء تفسير العولمة مع سنوات القرن الحادي والعشرين على أنها إطلاق العنان لقوى السوق تتحرك وفق قاعدة العرض والطلب وكأنها وحي من السماء.وكانت النتيجة ـ كما يوضح كتاب «انهيار العولمة» الذي أشرنا ـ هي إتاحة الفرص سانحة بغير وازع أو ضابط أو رادع أو ضمير لشرائح وفئات من كبار المديرين وصفوة التكنوقراط وشراذم من رؤساء مجالس الإدارات.لكي يفرضوا نمطا من الوصاية الاحتكارية على النظم الاقتصادية، ولكي يستخدم بعضهم وكالات المنظومة الاقتصادية الدولية (تسيطر عليها واشنطون بالذات) ما بين صندوق النقد الدولي إلى البنك الدولي لفرض ما كانوا يسمونه، من باب المجاملة ليس إلا، بأنه «وصفات الإصلاح الاقتصادي» أو «عمليات التصحيح ـ التكييف الهيكلي» وكانت تصّب جميعها في قناة المزيد من المكاسب لهؤلاء التكنوقراط والمزيد من عمليات المضاربة غير المسؤولة، بالمليارات وخاصة في أسواق بطاقات الائتمان ودنيا العقارات الأميركية..الأمر الذي أوصل كما بات معروفا إلى حالة الانكسار التي تكشفت منذ صيف وخريف عام 2008 وما زالت متواصلة حتى كتابة هذه السطور.

صحيح أن حالة الانكسار المذكورة ظهرت على شكل موجات التسونامي الزلزالية العاتية التي شهدتها مناطق جنوبي الشرق الأقصى والمحيط الهندي ـ وتجلت كما لا يزال معروفا وملموسا في أبعاد الأزمة المالية ـ ومن ثم الاقتصادية الخانقة الراهنة ـ لكن المهم في تصورنا هو أبعاد أو تداعيات هذا التسونامي الاقتصادي على مسرح السياسة الدولية بخاصة وعلى ظاهرة العولمة بشكل عام، ورغم ما كان من التسليم بأن العولمة مؤسسة عالمية ـ بل كوكبية سبق وسلمت قيادها للولايات المتحدة الأميركية.هنا نحاول أن نستطلع آراء ثلاثة مفكرين معنيين بالعولمة من ناحية وبدور أميركا المستقبلي من ناحية أخرى.

3 شهادات متباينة

ولقد توخينا الحرص في هذا السياق على أن يجمع أفراد هذا الثالوث بين خبرة الميدان السياسي وعمق البحث الأكاديمي وممارسة الشأن الاقتصادي، بقدر ما حرصنا أيضا على أن نستقي آراءهم من واقع مصادر رصينة ولكن متنوعة قدر الإمكان.

يسترعي اهتمامنا في البداية أن أفراد هذا الثلاثي من الخبراء والمفكرين يجمعون معنا على أن ظاهرة العولمة إلى انحسار ـ على الأقل في شكلها الراهن، سواء من حيث فرض وصفات جاهزة على الدول والشعوب لإصلاح أحوالها..أو تسليم كل مقاليد أمورها إلى بلد واحد مهما بلغ دوره من حيث الفعالية أو التأثير هو الولايات المتحدة الأميركية:

في استعراض مجلة «الإيكونومست» البريطانية لتطورات عالمنا في عام 2009 كتب أول أفراد هذا الثلاثي وهو السياسي الأميركي الأشهر هنري كيسنجر يقول:

ـ المطلوب هو حوار جديد بين أميركا وبقية العالم.. وفي إطار هذا الحوار، فضلا عما يستجد من تطورات، سوف يتعين على أميركا أن تتعلم أن النظام العالمي (العولمة) إنما يتوقف على وجود هيكل يدعمه المشاركون فيه لأنهم شاركوا وساعدوا بالفعل في إقامته، بمعنى أنه لم يقم نيابة عنهم ولا كان مفروضا عليهم.ويواصل كيسنجر الحديث عن الجانب الاقتصادي من ظاهرة العولمة ليقول:

ـ أي نظام اقتصادي، وخاصة نظام اقتصاد السوق، ينجم عنه بالضرورة رابحون وخاسرون. وإذا ما اتسعت الشُقة بين الرابح والخاسر.. يعمد الخاسرون إلى تنظيم صفوفهم سياسيا في مسعى من جانبهم إلى إعادة صياغة النظام الذي تضرروا من جرائه..

وينتهي كيسنجر إلى أن يقول:

ـ في ضوء هذا كله لا بد من الاعتراف بأن القوة أو المَنَعة التي انفردت أميركا بها (في ظل العولمة)، سواء من الناحية السياسية أو العسكرية، أدت إلى حالة تشوّه نفساني موازية لذلك.. ولسوف تبقى أميركا في موقع الدولة الأقوى، ولكن لن تبقى في مكانة الدولة التي ترشد وتوجه.. سوف تتعلم أن للهيمنة حدودها وأن الأمور بحاجة إلى التشاور مع الأطراف الأخرى ـ ومن ثم فإن مجموعة الثماني (الدول الصناعية الغربية الكبرى) سوف تحتاج إلى دور جديد يستوعب الصين والهند وربما جنوب افريقيا.

ـ أما رجل المال والاقتصاد الذي نحيل إليه في هذا السياق فهو «روجر التمان» نائب وزير الخزانة الأميركي الأسبق وقد نشرت دراسته مجلة «الشؤون الخارجية» فورين أفيرز (عدد فبراير 2009) محذرا بشكل عام من عواقب أزمة المال أو على حد تعبيره ـ صدمة المال والاقتصاد التي أصابت عالم سنة 2008 واصفا إياها بأنها الأسوأ والأفدح منذ 75 عاما وأنها سوف تتجسد في ركود وانحسار رهيب «وحشي» على حد تعبيره أيضا يصيب أميركا وأوروبا وربما اليابان.

على أن أخطر عقابيل هذه الأزمة سوف يتجسد ـ برأي الخبير الاقتصادي ـ في أن النموذج الذي ظلت تمثله أميركا (وقد آلت إليها مقاليد العولمة بعد الانتصار على النموذج الشيوعي ـ السوفييتي) ـ هذا النموذج الأميركاني القائم على اقتصاد السوق أصبح مشكوكا في سلامته بعد أن تكاثفت عليه سحب المشاكل والانهيارات بفعل ما حدث من زلزلة أركان النظام المالي فضلا عن فشل الإطار التنظيمي في الحيلولة دون وقف انحرافات الاستغلال وسلوكيات الفساد (الإشارة هنا إلى بورصات وأسواق ووول ستريت في نيويورك).

ومرة أخرى يتفق الاقتصادي «التمان» مع السياسي «كيسنجر» في القول بأنه صحيح أن تستمر أميركا بوصفها الأقوى ـ عسكريا على وجه الخصوص.لكن صدمة 2008 التي نزلت على رأسها كالصاعقة سوف تتكشف عن كونها نكسة جيوبوليتيكية بمعنى أن تؤدي إلى تحجيم دور أميركا السياسي وقيادتها ومكانتها في عالم السنوات المقبلة.

ـ الشاهد الثالث هو البروفيسور «هارولد جيمس» أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة برنستون.. وقد اختار أن يكون أصرح من سابقيه اللذين يبدو أن خدمتهما الحكومية السابقة تحضهما على التزام قدر من التحفظ أو التورع في إصدار أحكامهما على ظاهرة العولمة وقيادة أميركا لمقاليدها..

هكذا، وبلا مواربة يكتب الأستاذ جيمس (في مجلة كَرَنت هستوري، عدد يناير 2009) دراسته بعنوان مباشر هو: العولمة العظيمة.. رحمة الله عليها.

وهو يتصور أن الأزمة المالية التي أصابت نظام الحرية الاقتصادية في إطار النظام الرأسمالي الذي ظل يكرس نشاط القطاع الخاص.. جديرة بأن تعكس ظلالها على دنيا السياسة والعلاقات الدولية ليجد العالم نفسه وقد اضطر للأخذ بنمط سبق اتباعه عقب كارثة الكساد الكبير في الثلاثينات وهذا النمط يحمل الاسم التالي: رأسمالية.. الدولة

بمعنى أن تدخل الدولة ـ بجهازها الحكومي قدراتها المهيمنة طرفا أصيلا وعنصرا فاعلا في مجال التجارة والإنتاج والاستهلاك وكأنما يستعيد العالم بذلك مضمون «النظرية العامة» التي سبق إليها الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز من إسناد دور إيجابي في تفعيل وتقويم مسيرة الاقتصاد، فيما يمكن أن يفضي إلى هيمنة الروح البيروقراطية ووضع النشاط الاقتصادي تحت رحمة موظفي قطاع الدولة العام.وتلك حالة تنطوي على خطر خنق المبادرات والمصادرة على حركة الابتكار والتطوير

محمد الخولي