بغض النظر عن مسار الأحداث في إيران خلال الفترة المقبلة، فإن ما جرى على مدار الأسبوع الماضي يمثل تحولا جذريا، لم يسبق للبلاد أن شهدت مثله على مدى السنوات الثلاثين الماضية من عمر ثورتها. وإذا كان من الصعب توصيف الأحداث بأنها تمثل انهيارا للموقف هناك، وتحول الثورة إلى ثورة مضادة، فإنه في أكثر التوصيفات حيادية لا يمكن القول سوى بأنها انتكاسة تطرح التساؤلات حول مستقبل الثورة ذاتها.
فمن ناحية وإذا كانت خبرة السنوات الماضية أثبتت أن إيران قادرة على تقديم مشروع سياسي رائد على صعيد الدول الإسلامية، فإن التطورات الأخيرة تطرح العديد من التساؤلات بشأن صيغة الديمقراطية في السياق الإسلامي التي كانت إيران تعد المؤهلة لتقديم نموذجها الأمثل. وتثبت الأحداث أن هناك العديد من التحديات التي تواجه الديمقراطية وفق المعايير الغربية في الإطار الإسلامي، بشكل يفتح المجال أمام الكثيرين للغمز واللمز في إطار حقيقة صعوبة تقديم تجربة مكتملة الأركان للديمقراطية الإسلامية سواء وفق هذه المعايير أو وفق أخرى تنطلق من تطبيق إسلامي.
من ناحية ثانية، فإن الأحداث في حدود تطوراتها حتى الآن تشير إلى نوع من التآكل في دور وسلطات المرشد الأعلى للثورة والذي ينظر إليه باعتباره مركز الثقل الرئيسي في البلاد، استنادا لنظرية ولاية الفقيه للخميني، ولا شك أن تزايد المعارضة لهذا الدور، وعلى نحو ما نلمسه على أرض الواقع في إيران حاليا يؤشر لدخول البلاد مرحلة جديدة من التطور السياسي.. وتتوقف طبيعة هذه المرحلة على أنماط تفاعل أطراف التجاذب السياسي الحاصل حاليا، والسيناريوهات المطروحة هنا تتراوح ما بين تعزيز الديمقراطية، أو تشدد النظام بشكل ينتهي إلى حالة من التسلطية في الحكم.
من ناحية ثالثة، تلقي التطورات الأخيرة الجارية في إيران بظلال قاتمة على طبيعة الدور الذي تحاول الدولة أن ترسمه لنفسها في الخارج. فإذا كانت إيران تطمح لدور إقليمي كبير يكون له معها الكلمة بشأن مسيرة الأوضاع في المنطقة، فإن اضطرابات ما بعد الانتخابات بما تؤدي إليه من انقسام داخلي قد يتراجع بهذا الطموح، على الأقل لحين تعافي البلاد من هذه الحالة.
ويرتبط بهذه النقطة..الجانب الأهم والمتعلق بموقف الغرب من النظام الإيراني والذي يناصبه العداء منذ انطلاق الثورة. وإذا كان من المفارقات الدالة في هذا الخصوص أن معرفة الغرب بالإسلام في العقود الثلاثة الأخيرة انطلقت أساسا من قضية تتعلق بالمسلمين الشيعة الذين يمثلون أقلية من العدد الكلي للمسلمين، وهى الثورة الإسلامية وتطوراتها، والتي شكلت، حسب توصيف البعض، منعطفا تاريخيا وإستراتيجيا شغل العالم كله والغرب بشكل خاص، فإن من مفارقات الأحداث الأخيرة أنها تمثل نجاحا ما للغرب في مسعاه لاحتواء النظام الإيراني واختراقه من الداخل هذه المرة بعد فشل كل محاولاته الخارجية لتحقيق هذا الهدف.
حتى لحظة كتابة هذه السطور، تشير التطورات إلى أن الأمور تتجه للتهدئة وأن منطق التعقل والحكمة هو الذي يفرض نفسه على جبهتي المحافظين التي تمسك بمقدرات الحكم، والإصلاح المعارضة.. فهل تنجح إيران في تجاوز اللحظة الحرجة التي تمر بها واستكمال مسيرتها أم تكون الاضطرابات الأخيرة بمثابة «حصان طروادة» التي ينفذ منها الغرب لإعادة الأمور هناك إلى ما قبل 1979؟