مثلت الانتخابات الإيرانية حالة استقطاب قصوى داخلياً وخارجياً، وشكلت أيضاً حالة نموذجية من الفرز السياسي إقليمياً وعالمياً بقدر ما كانت على المستوى الداخلي. ففي إيران انقسم مجتمع الناخبين إلى إصلاحيين ومحافظين. الفريق الأول أطلق عليه الغرب اسم (معتدلين)، والثاني (متشددين). وذات الاصطلاحين يطلقهما الغرب أيضاً على العالم العربي، فلدينا من وجهة النظر الغربية جماعات ودول معتدلة وأخرى متشددة نسميها عربياً (ممانعة). وعادة ما يطلق الغرب صفة الاعتدال على من يلتزم بالتبعية له، ويقبل التعاون لتحقيق مصالحه.

ومن مصطلحي الاعتدال والتشدد اصطفت السياسة الغربية وراء المرشح للرئاسة الإيرانية مير حسين موسوي ضد منافسه محمد أحمدي نجاد خلال الانتخابات وما تلاها من تراشق وتشكيك. فالغرب وفي المقدمة منه الولايات المتحدة الأميركية يتمنى التخلص من حكم نجاد، ويتطلع إلى إزاحته لحساب من يمكنه التناغم والتعاون معه، تجاه العديد من القضايا مثل البرنامج النووي، والأزمة الأفغانية، والأزمة العراقية، والموقف من الصراع العربي الإسرائيلي. وكل هذه القضايا وغيرها يتصدى لها نجاد بسياسة صلبة مخالفة لما يريده الغرب. وعلى المستوى الاقليمي تتشارك بعض الدول العربية وإسرائيل ذات الأماني الغربية تجاه نجاد. وفيما كتمت الدول العربية تطلعاتها، فإن إسرائيل عبرت عن سخطها من النتائج. وفي المقابل رحبت قوى المقاومة العربية الإسلامية التي توصف أميركياً وإسرائيلياً بالمتشددة، سواء في فلسطين ولبنان، بإعادة انتخاب نجاد، واعتبرته انتصاراً لها، لأنه يمثل سنداً قوياً، في مواجهة أميركا وإسرائيل.

وانطلاقاً من اعتبارات العداء لم يفوت الغرب فرصة الأزمة التي تلت إعلان النتائج فسعى إلى استغلالها، من خلال تضخيم إعلامي تحول إلى تصريحات سياسية منددة، تصدر تباعاً في محتوى متقارب من عاصمة تلو أخرى، إلى حد إظهار إيران وكأنها مقبلة على ثورة من داخل الثورة.

والملاحظ ان ردود الفعل الغربية التي ظهرت على استحياء في اللحظات الأولى لإعلان النتائج، تقوت وبدأت تتصاعد بعدما أثبت المعتدلون الإيرانيون قوتهم في الشارع، وخرجوا في مظاهرة سلمية تضم مئات الآلاف يوم الاثنين الماضي، وهو ما يعني أن الغرب وجد منفذاً قوياً يمكنه من تحقيق أهدافه الرامية إلى إحداث تغيير في إيران أو على الأقل ممارسة ضغوط عليها لإجبارها على تليين مواقفها الدولية أو حتى إضعاف نجاد في سنوات رئاسته المقبلة، بإظهاره كمغتصب للسلطة من خلال تضخيم التشكيك في النتائج، وتوسيع الهوة بينه وبين معارضيه، وهو ذات النمط الذي اتبعه الغرب في أماكن متعددة من العالم كان أحدثها مع روبرت موجابي في زيمبابوي.

إن الغرب يسعى لحشر إيران في الزاوية، ليس حباً في موسوي، أو كراهية في نجاد، ولكن لتحقيق مصالحه، لأنه يعلم أن إيران ليست جمهورية موز، ولكنها دولة مركزية تديرها مؤسسات قوية. وأياً يكن يكون في الحكم نجاد أو موسوي، فإن هناك ثوابت للدولة لا يجوز لأحد التنازل عنها.

الخسارة الحقيقية فيما يجرى في إيران، هو أن مشهد الديمقراطية الذي تجلى خلال المعركة الانتخابية تشوه. والأشد خطورة هو أن تقود هذه الأزمة إيران إلى ديكتاتورية عسكرية أمنية. فعندئذ تكون الثورة التي غيرت المنطقة والعالم قد أكلت نفسها، وربما هذا ما يطمح إليه الغرب في المرحلة الحالية.