رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو.. يذكّرنا بمُسيلمة الكذاب عندما عرّاه عمرو بن العاص أيام جاهليته ـ وقال له بدهاء ردا على ادعائه بالنبوة: يا مسيلمة.. إنك تعلم أني أعلم أنك تكذب.
نتانياهو يعلم أننا نعلم أنه لا يريد سلاما يفضي إلى حل ولا كلاما يبعث على الرضا ويطمئن نفوس العرب والفلسطينيين. لو كان يعلم أن الفلسطينيين على يقين بأنهم ـ وبالتحديد السلطة الوطنية ـ سيقبلون بخطابه الذي ألقاه الأحد الماضي، ما كان سيتكلم على الإطلاق. هو يدرك تماما بأن أكثر من يفهمون ألاعيب الحواة التي يمارسها ساسة إسرائيل هم الفلسطينيون.
هل قال نتانياهو في خطابه الذي ألقاه في جامعة بار ايلان بتل أبيب أنه سينسحب من الضفة الغربية والعودة إلى حدود 67 حتى نستجيب لقوله؟.. وهل قال انه سيخلي مستوطنات الضفة التي يعيش فيها 300 ألف مستوطن يهودي لتقام عليها الدولة الفلسطينية؟.. وهل اعترف بحق الفلسطينيين في القدس الشرقية التي يسكنها الآن حوالي ربع مليون مستوطن؟.. وهل أقر بحق العودة؟
خطابه لم يكن حديثا عن السلام ولا هو موجه أصلا للفلسطينيين. الخطاب موجه إلى جهتين: إلى الذين انتخبوه ومعهم الذين تحالفوا معه وأقاموا حكومته العنصرية.. والى الأميركيين وبالتحديد الرئيس أوباما الذي لمس نتانياهو مثل آخرين، أن رئيس البيت الأبيض الذي سحر قلوب العرب والمسلمين يوم ألقى خطابه الشهير في جامعة القاهرة، يتمسك بحل الدولتين، إسرائيلية وفلسطينية. نتانياهو حاول الموازنة بين الضغوط السياسية التي يخضع لها في البيت الأبيض وداخل إسرائيل كما يقول المستشار الأميركي السابق آرون ديفيد ميلر. فمن جانب- أراد أن يطمئن الشارع الإسرائيلي الذي انتخبه هو وتابعه العنصري أفيغدور ليبرمان بأنه يرفض وقف الاستيطان، وقال «اذا اعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة يهودية، فسنصل إلى حل يقوم على دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب إسرائيل».
وأشار إلى أن الأراضي التي ستعطى للفلسطينيين ستكون من دون جيش ومن دون سيطرة على الأجواء الجوية ومن دون دخول سلاح. فكرة دولة فلسطينية بهذا الشكل ـ كما يقول تقرير لوكالة الأنباء الفرنسية ـ لا تخيف المستوطنين اليهود في الضفة الغربية. فلسان حالهم يقول «الكلام شيء والحقيقة هي اننا ما زلنا نبني ونبني أكثر.. وفي نهاية المطاف ومع مرور الزمن تتضاءل فرص قيام دولة فلسطينية».
من جانب آخر ـ أراد نتانياهو أن يرد بالإيجاب على الرئيس أوباما، قائلا له «ها أنا أوافق على قيام دولة فلسطينية». وبمجرد أن ذكر كلمة دولة للفلسطينيين ـ دون أن يبالي المرسل إليه الرسالة.. بكيفية إقامة تلك الدولة التي حدد رئيس الحكومة الإسرائيلية ملامحها- سارع الرئيس الأميركي إلى الترحيب بخطاب نتانياهو وقال ان ما قاله خطوة مهمة إلى الأمام.
ليت المراهنين على أن إسرائيل ستلبي نداء السلام، يدركون أنهم يسيرون وراء سراب لا يجلب في نهاية الأمر سوى ضياع القضية الفلسطينية تحت أحجار المستوطنات. وهاهو أكثر المعنيين بمحادثات السلام صائب عريقات رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية يقولها علنا أن نتانياهو أنهى من جانب واحد المفاوضات ولم تعد هناك حاجة لهذه المفاوضات بعد اليوم