ما لا جدال فيه، أن الأزمة المالية العالمية التي انفجرت خريف العام الماضي لا تزال قائمة، ولو تحت قشرة رقيقة من الاستقرار الهش. ان التخبط هو سيّد الساحة في التصدّي لها. انعقدت، لغرض البحث عن حلول لها، مؤتمرات ولقاءات دولية وإقليمية كثيرة. منها قمة العشرين مرتين. لكن المخارج، بقيت عصيّة. آخر محاولة من هذا النوع، انتهت إلى نفس النتيجة. البيان الصادر عن اجتماع وزراء مالية الدول الصناعية الثماني الكبرى، قبل أيام، اعترف بأن «الوضع حتى الآن، مشكوك فيه؛ ولا تزال هناك أخطار كبيرة على الاستقرار الاقتصادي والمالي». الإسعافات الأولية التي لجأت إليها الدول لاجتناب انهيارات مصرفية ومالية كبيرة، مثل خطط الإنقاذ وضخّ السيولة، أوقفت التدهور.

لكنها لم تفلح في استرجاع العافية للوضع الاقتصادي. ناهيك بالنظام المالي. ربما أدّت في ساحات معينة، مثل أميركا، إلى حصول انفراجات وظهور بعض علامات الحيوية والاستقرار، على صعيد النظام المالي واستعادة الثقة لدى المستهلك والمستثمر. أيضاً على صعيد البورصات، التي شهدت حركة صعود. لكن كله بحدود وحذر. «لقد تحقق بعض التحسّن. لكننا لم نقترب بعد ولو من حالة شفاء بسيط، ناهيك بالشفاء التام»؛ يقول الخبير الأميركي بول أشوارث.

التوصيف وأكثر، ينطبق على المسرح الأوروبي بشكل خاص؛ كما على غيره وإن بدرجات مختلفة. حالة التقاط الأنفاس الحالية، تعود إلى «إجراءات الإنعاش» التي اعتمدتها حكومات البلدان الكبرى. لكن هذه تمّ اللجوء إليها اضطراراً، على أساس أن تنتهي وتنسحب من المشهد؛ بعد أن تقوم بإعادة تشغيل المحرك الاقتصادي، من جديد. فهي مصممة لتكون طارئة ومؤقتة. غير أنه لا يتوفر تصوّر لكيفية إنهاء دورها. وزراء الثماني، كلفوا صندوق النقد الدولي، وضع «استراتيجية للخروج» من هذه الإجراءات وبرامجها. حتى اللحظة، ليس هناك وضوح ولا توافق حول كيفية مواجهة الأزمة.

من جهة هناك خشية من عودة الانتكاس، لو توقف العمل بهذه الإجراءات. ومن جهة ثانية، لا يستقيم الاستمرار بها وفي ذات الوقت الحديث عن عودة قريبة لمياه الدورة الاقتصادية المعروفة، إلى مجاريها. لا ضمان، بأن النظام المنكسر قابل لمعالجة تكفل عدم إنتاج نفس الأزمة. بالمقابل، هناك ممانعة، بل معاندة، ضدّ إجراء تحولات في طبيعة هذا النظام، عبر سياسات تقييد وضبط، لمجراه وبما يضمن عدم انفلاته. عالم التغوّل المالي والاقتصادي، عازم على إعادة تعويم القديم وليس تغييره. وفي ذلك تأسيس لأزمة لاحقة أشدّ وأعتى

الرئيس الأسبق غورباتشوف في مقالة نشرتها له واشنطن بوست، قبل أسبوع من اجتماع الثماني؛ يقول «إذا كانت الحلول المتداولة، في هذا الخصوص، ترمي إلى إعادة نسخ النظام القديم، فإننا عندئذ نكون في طريقنا إلى حالة اضطراب أفظع. إن النموذج الحالي لا يحتاج التصحيح، بل الاستبدال». ويضيف، «لقد حان الوقت للمجيء بصيغة، توازن بين الحكومة والسوق». بيريسترويكا رأسمالية. مدرسة آدم سميث وميلتون فريدمان ـ سوق دون ضوابط، تكفل قوانينه تصحيح شططه ـ، انتفخت وانفجرت. الانتقال إلى مدرسة جون كينز، التي تحفظ مكاناً لرقابة ودور الدولة، صار الخيار الطبيعي الوحيد. وربما المحتوم. المعاندة لا ترد الحياة لمنظومة انتهى مفعولها. الوقت حان لبيريسترويكا غورباتشوفية. لقد جاء زمن الشراكة بين العام والخاص