في مثل هذا اليوم من عام 1991، عادت برلين من جديد وبعد حوالي 45 عاماً من تمزقها، عاصمة موحدة لألمانيا. ظلت المدينة ومعها ألمانيا مقسمة إلى مدينتين ودولتين، شرقية وغربية. هذا التقسيم من ثمار الحرب العالمية الثانية. سبق إعلان عودة المدينة عاصمة موحدة، أحداث تاريخية مثيرة. ففي 1989، سقط حائط برلين الذي شطر المدينة خلال سنوات الحرب الباردة. وفي أغسطس 1990 وافق مجلس الشعب في ألمانيا الشرقية على انضمام الدولة إلى ألمانيا الاتحادية (الغربية) وأعلن قيام الدولة الموحدة في أكتوبر1990. وفي 20 يونيو 1991، تمت الموافقة برلمانياً على عودة برلين عاصمة لألمانيا الموحدة بعد تصويت (336 صوتاً مقابل 321 صوتاً معارضاً).
يرجع تأسيس مدينة برلين إلى عام 1237 عندما توحدت منطقتين يضمهما موقع المدينة الحالي. وفي سنة 1451 اتخذ فريدريش الثاني برلين مقراً لحكمه، وتزامن ذلك بتاريخ أسود حيث ساد المدينة حقبة من الأمراض والحروب المتداولة. وفي سنة 1701 أصبحت برلين مع فريدريش الثالث الذي نصب نفسه على الحكم المقر الثابت للحكم وعاصمة لإمبراطوريته. وفي الفترة ما بين حكمي فريدريش الأول أو ما يلقب «بالملك المحارب» وفريدريش الثاني ما بين 1740 ـ 1786 عرفت برلين تطوراً كبيراً في الميدان الصناعي. ومنذ سنة 1806 إلى سنة 1808 احتلت جيوش نابليون المدينة، وبعد صمود الجيش الألماني تراجعت قواته حتى بوابة براندنبورغ.
ومع تأسيس الإمبراطورية الألمانية في عهد فيلهالم الأول (1861 ـ 1888) سنة 1871 كان عدد سكان برلين يقارب 800 ألف ساكن، وسمي هذا الأخير قيصر ألمانيا وأخذ من برلين عاصمة له وبعد حكمه صار عدد السكان ببرلين أكثر من مليون ساكن وذلك سنة 1895. ومن سنة 1888 حتى سنة 1918 كان فيلهالم الثاني، آخر قيصر للرايخ الألماني الذي أبعد إلى المنفى مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. وتطورت المدينة ثقافياً وفنياً في العشرينات من القرن 19، ولقبت بمدينة «العشرينات الذهبية». وفي عام 1936 أقيمت الألعاب الأولمبية السادسة بالمدينة في عهد هتلر. وفي الأول من سبتمبر 1939 اندلعت الحرب العالمية الثانية وكان عدد سكان برلين 5,4 ملايين وبعد القصف الجوي للمدينة في الثامن من مايو 1945 لم يبق سوى ثلث واحد من السكان كما دمرت الكثير من المعالم التاريخية. بانتهاء الحرب تم تقسيم المدينة إلى 4 أقسام: النصف الشرقي للاتحاد السوفييتي والنصف الثاني بين الولايات المتحدة (الجنوب الغربي)، بريطانيا (الغرب) وفرنسا (الشمال الغربي). وفي السابع من أكتوبر 1949 أسست الجمهورية الألمانية الديمقراطية (الشرقية) وأخذت من الجزء الشرقي لبرلين عاصمة ومركزاً للحكومة. ولم يكن بمقدرة سكان الجانب الشرقي مغادرة المدينة إلى الجزء الغربي إلا بتصريح عمل. وفي الثالث عشر من أغسطس 1961 قام السوفييت بتقسيم برلين ببناء جدار وعزل الجانب الشرقي عن الغربي. ولم يعد بحق سكان برلين الشرقية مغادرة المدينة حتى سنة 1963 مع زيارة الرئيس الأميركي جورج كينيدي لبرلين، حيث وقع الاتفاق على وثيقة شهادة الاجتياز التي تسمح بالدخول إلى الجانب الغربي.
بعد 26 عاماً من هذا التاريخ وفي ليلة التاسع من نوفمبر 1989، فوجئ العالم بطوفان بشري يجتاز الحدود ويسقط جدار برلين الذي سمي بالستار الحديدي. عاشت ألمانيا ليلة تاريخية لا تنسى. صار بإمكان الألمان الشرقيين عبور المنطقة الغربية دون تصريح. انهار جدار برلين أمام أعين العالم. كان الألمان في شطري البلاد الغربي والشرقي بل والعالم معهم يعتقدون أنه جدار حدودي لن ينهار سياسياً على الإطلاق. ولكن تحت الضغط الشعبي، اضطرت حكومة ألمانيا الشرقية إلى فتح المعابر نحو الغرب، وكان ذلك بداية النهاية لعهد ألمانيا المنقسمة. وقد سبق هذا الحدث التاريخي الكبير أيام عصيبة من الانتفاضات السلمية في ألمانيا الشرقية.
ولعبت الإصلاحات التي قام بها الزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشوف المسماة بالبريسترويكا والجلاسنوست والحركات الديمقراطية التي شهدتها المجر وبولندا دوراً مؤثراً في الأحداث إذ خلقت مناخاً شجع الكثيرين في ألمانيا الشرقية على التعبير بشكل صريح عن مشاعرهم. في البداية، كان الهرب عبر المجر وتشيكوسلوفاكيا. وكانت المظاهرات في البلدين، عاملاً مؤثراً في أحداث ألمانيا، إلى درجة أن الزعيم الألماني الشرقي إريخ هونيكر اضطر في 18 أكتوبر 1989 إلى الإعلان عن استقالته من منصب الأمين العام للحزب الشيوعي ومن رئاسة مجلس الرئاسة في البلاد. ثم جاء الثالث من أكتوبر 1990 لتتوحد ألمانيا وتسترد برلين مكانتها التاريخية القديمة، وعادت رسمياً العاصمة الموحدة لألمانيا. ثم صارت منذ عام 1999 مركزاً للقرار السياسي، حيث عاد البرلمان إلى مبنى الحكومة القديم الريستاغ والمعروف بقبته الزجاجية التي تمثل أهم بقعة للسياح في أوروبا.
برلين بعد توحيدها، صارت من أهم مدن أوروبا والعالم. هي الآن ثاني أكبر مدن الاتحاد الأوروبي بعد العاصمة البريطانية لندن. (يعيش فيها ما يقارب أربعة ملايين نسمة).