فرض العامل الأميركي وجوده على الساحة السياسية الإيرانية خلال الحملة الانتخابية منذ بداية المعترك وحتى نهايته، في امتداد للأزمة السياسية بين واشنطن وطهران.
وكان الاستحضار قويا في الداخل الإيراني، وكذلك في الخارج من جانب الولايات المتحدة في الوقت ذاته. ففي إيران سعت أطراف كثيرة في داخل السلطة وخارجها لاستثماره من أجل تحقيق مكاسب. كما استخدمته الولايات المتحدة لمحاولة تعزيز مساعيها لاختراق الداخل، وبذلت على وجه الخصوص محاولات عدة للنيل من خصمها التقليدي الرئيس أحمدي نجاد سعيا لإسقاطه، ظنا منها أن ذلك يمكن ان يحقق أهدافها في تليين عملية دوران السياسة الخارجية باتجاه التقارب بين البلدين، لكن الصناديق جاءت بما لا تشتهي، حيث فاز نجاد بأغلبية الأصوات، مما مثل صدمة عنيفة لواشنطن والغرب. فسارعت أميركا ومعها قوى غربية إلى التشكيك في النتائج، مستغلة بعض السخط الشعبي الذي تمت تعبئته خلال المعركة الانتخابية.
من داخل إيران
في الداخل الإيراني جاء أول حديث عن دور العامل الخارجي في الانتخابات على لسان آية الله علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية، عندما اتهم الولايات المتحدة بممارسة دور عدائي ضد بلاده، وذلك قبل يومين فقط من إغلاق باب الترشح وإقرار صلاحية المرشحين الأربعة، وللتذكير هم: أحمدي نجاد الرئيس الحالي والفائز في الانتخابات للمرة الثانية، ومير حسن موسوي (المشكك فيها) ومحسن رضائي ومهدي كروبي. فقد اتهم المرشد الولايات المتحدة بتشجيع الإرهاب والتآمر ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقا من كردستان العراق. وقال خامنئي إن الولايات المتحدة ترسل الأموال والأسلحة عبر الحدود الكردية لمحاربة إيران في الإقليم الكردي الواقع ضمن أراضيها. وقد أطلق المرشد هذه التصريحات من داخل هذا الأقليم.
هذا الاستحضار للدور الأميركي جاء في إطار الاتهامات الإيرانية المستمرة لواشنطن بأنها تسعى لضرب النظام، سعيا لإسقاطه من الداخل. وهذا أحد ملفات التأزم بين الطرفين. وسواء أنكر الأميركان هذه المساعي أم أقروا بها، فان الولايات المتحدة لم تخف يوما رغبتها في الإطاحة بالنظام الإسلامي في إيران. ولم تنكر يوما هذه الأمنية.
ولم تمض سوى أيام على هذا الاتهام حتى وقع انفجار مدينة زهدان (جنوب شرقي البلاد)، الذي أدى إلى سقوط 25 قتيلاً ونحو 125جريحا، وعلى الفور تجدد الاتهام للولايات المتحدة ودول إقليمية بالضلوع في الانفجار. وهو ما رفضته واشنطن وأعلنت إدانتها للانفجار والمتورطين فيه واعتبرته عملا إرهابيا.
وهذا الحادث تحديدا أزعج الدولة الإيرانية كثيرا بكافة أجهزتها، لما رأت فيه من خطورة على أمن وسلامة البلاد، لأنه هدد النسيج الاجتماعي بين السنة والشيعة. وانعكس ذلك على التعامل القانوني مع الجناة الذين تم ضبطهم واتهامهم بتدبير الانفجار، إذ تم اعدامهم في محاكمة اعتبرت الأسرع في تاريخ القضاء الإيراني.
سلطة المرشد
وكان الجانب الأكبر من الهجوم على الولايات المتحدة في هذا الحادث قد قاده المرشد العام للجمهورية. وشارك فيه خلال الحملة الانتخابية كل من أحمدي نجاد، وعلي لاريجاني رئيس البرلمان، وهم من الجناح المحافظ، وهو ما يعكس حرصا إيرانيا منذ اللحظات الأولى للانتخابات على استثمار التهديد الخارجي واستحضاره إلى قلب المعركة الانتخابية.
ويتمتع المرشد العام وفق الدستور بسلطات كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، مما يمكنه من الإمساك بالعديد من الملفات الرئيسية التي تفوق صلاحيات رئيس الدولة. فالمرشد عنصر الاستمرارية في السياسة الإيرانية، وبدا ذلك جليا في الأيام الماضية التي كان فيها الرئيس مشغولا بالمعركة الانتخابية، إذ كانت مواقف المرشد وتصريحاته إبانها تؤكد استمرارية الثبات في موقف الدولة الإيرانية من العداء مع الولايات المتحدة، وكأنه كان يرسل إشارات إلى كل أطراف العملية الانتخابية. فالناخبون عليهم التيقظ لعدوهم الذي يستهدف بلادهم عند الاختيار بين المرشحين لمنصب الرئاسة، والمرشحون عليهم التزام الخط الاستراتيجي العام الذي وضعه للدولة، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع أميركا، وفي ذلك كان المرشد يزكي أحمدي نجاد ضمنيا على غيره، فهذا هو النهج الذي عبر عنه نجاد والتزم به، في السنوات الأربع الماضية، وجدد تمسكه به في حملته الانتخابية.
خطاب أوباما
ولم يكن الإيرانيون وحدهم هم الحريصون على إقحام العامل الخارجي في المعركة الداخلية، إذ كان هناك حرص أميركي متبادل، ظهر بداية في قضية الصحفية الأميركية من أصل إيراني روكسانا صابري. فهذه القضية نظرا لبساطتها شهدت نقطة التقاء بين الطرفين، منذ بدايتها وحتى إغلاق ملفها بالإفراج عنها. فالطرفان استغلا القضية كل لحسابه. الإيرانيون (خاصة احمدي نجاد) استثمروها لاظهار المرونة من جانبهم، والأميركيون وظفوها لاصطناع انتصار. وتحقق لكل طرف ما أراد، وانتهى الأمر بالمسؤولين الأميركيين، وفي مقدمتهم هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية بالتقاط الصور التذكارية مع روكسانا.
وكانت ذروة التدخل الأميركي في الانتخابات الإيرانية قد جاءت في الكلمة التي ألقاها الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة. ففي كلمته أشار ضمنا إلى تصريحات سابقة صدرت عن الرئيس أحمدي نجاد بشأن المحرقة اليهودية وإسرائيل بأقسى العبارات عندما قال: (لقد تم قتل ستة ملايين من اليهود، يعني أكثر من إجمالي عدد اليهود بين سكان إسرائيل اليوم. ان نفي هذه الحقيقة هو أمر لا أساس له وينم عن الجهل وبالغ الكراهية. كما أن تهديد إسرائيل بتدميرها أو تكرار الصور النمطية الحقيرة عن اليهود هما أمران ظالمان للغاية، ولا يخدمان الا غرض استحضار تلك الأحدث الأكثر إيذاء إلى أذهان الإسرائيليين، وكذلك منع حلول السلام الذي يستحقه سكان هذه المنطقة).
وهذا الأسلوب الذي استخدمه أوباما ضد نجاد لم يكن عفويا، بل كان مقصودا تماما من حيث التوقيت لإحداث أكبر قدر من الأذى به، ومن حيث الإيحاء بأنه يلحق الضرر بالسياسة الخارجية الإيرانية، وهو ما اعتبر محاولة أميركية لتقوية خصومه ضده. فالولايات المتحدة لم تخف يوما كراهيتها للرئيس نجاد، ليس فقط لأنه تحدث عن اليهود، بل لأنه يمثل رمز الصمود الإيراني في وجه الضغوط الغربية كلها بشأن البرنامج النووي، على الرغم من أن هذا الملف يقع في يد المرشد بالدرجة الأولى، لكن التناغم بين خامنئي ونجاد يزعج أميركا، التي عجزت حتى الآن عن إيجاد ثغرة تناور منها أو تنفذ عبرها إلى الملف النووي داخليا.
تناغم داخلي
والمدهش أن هذا الجانب من خطاب أوباما هو أيضاً ما تحرك عليه منافسو نجاد خلال الحملة الانتخابية، وفي مقدمتهم حسين مير موسوي الذي كان عول عليه الإصلاحيون أملا كبيرا. فقد اتهم نجاد في مناظرة بينهما بأنه أساء إلى صورة إيران والى علاقاتها الدولية، عندما تحدث عن المحرقة وجعل منها أولوية في السياسة الخارجية مع أنها ليست كذلك، ولا تخدم إيران مطلقا. وسط إعلان المرشحين الثلاثة الآخرين رغبتهم في انتهاج سياسة خارجية مغايرة لسياسة نجاد تعتمد التقارب مع واشنطن، مما وضعهم جميعا في جانب واحد، بينما وقف نجاد وحده متميزا عنهم بموقفه الذي يحظى بمساندة المرشد وأجهزة الدولة والقطاع العريض من الشعب.
وهذا التناغم بين مرشحي الداخل وبين الخارج الأميركي على وجه الخصوص، أزعج أجهزة الدولة لإيرانية التي حذرت من التخطيط لثورة مخملية، لكنه أسعد الولايات المتحدة كثيرا، فحاولت استثمار الحراك الداخلي. لذا لم يكن من قبيل الصدفة أن ينتهج اوباما في خطابه القاهري خطين تجاه إيران:
*الأول متشدد ضد نجاد (كما أسلفنا).
*الثاني هادئ ناعم تجاه البرنامج النووي.
فقد أعلن اوباما في خطابه إمكانية الإقرار بحق إيران في امتلاك النووي للأغراض السلمية دون السماح لها بالتحول إلى الأغراض العسكرية. وفي ذلك دغدغة للمشاعر القومية الإيرانية التي تعتبر البرنامج النووي مشروعا قوميا لا خلاف عليه.
وقد استهدف اوباما الفصل بين الرئيس نجاد والطموحات الوطنية الإيرانية، ليجرده من تميزه في إعادة إطلاق البرنامج النووي ورعايته له، بل انه حاول الإيحاء بان وجود نجاد في السلطة يعوق الوصول إلى الاعتراف الأميركي بالطموحات الإيرانية. وهو في ذلك استهدف استثمار الخلافات التي برزت خلال الحملة الانتخابية، والتي تجلت في المعلومات المتضاربة بشأن دور الإصلاحيين في تعطيل تخصيب اليورانيوم، ودور نجاد في إعادة تشغيله.
نجاد يعزز مكانته
وفي الداخل الانتخابي، لم تكن تصريحات بعض المرشحين بعيدة تكتيكيا عما أراده أوباما، ومن ذلك ما أعلنه المرشح محسن رضائي بأنه يقبل إقامة كونسرتيوم دولي للتخصيب في إيران بمشاركة دول أوروبية ومجاورة. وهذا المقترح سبق ونوقش في إيران، وتم طيه في إطار الإصرار على المضي قدما في سياسة التخصيب المستقل.
وعلى خلاف المنافسين كان نجاد يتحدث بجمل أسرع وأشمل عن تعزيز دور إيران دوليا من خلال رفض تجميد التخصيب، مؤكدا أن هذا الملف أغلق وانتهى، وأن طموحات إيران هي (المشاركة في إدارة العالم).
وهكذا سواء رضي الإصلاحيون أم ابوا فإن الدخول الأميركي على خط النووي ومحاولة النيل من نجاد عزز موقفه ولم يضعفه، بأن أظهرهم أمام ناخبيهم بأنهم متناغمون مع الغرب. وهذا لا يتفق مع معظم المزاج الإيراني الذي تربى طوال ثلاثين عاما على أن الولايات المتحدة هي عدوهم التقليدي، بل هي (الشيطان الأكبر).
وما عزز موقف نجاد أيضاً هو أن صوت المرشد حاضر معه في كافة تطورات المعركة، حيث دعا الإيرانيين إلى عدم اختيار رئيس يستسلم أمام الغرب، ولا يجب ان يصل إلى الحكم مرشحون يستسلمون للعدو ويلحقون العار بالأمة الإيرانية. وكذلك عندما تولى بنفسه الرد على خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما من القاهرة بأن الدول الإسلامية تكن كراهية عميقة للولايات المتحدة لأنها عانت من العنف ومن التدخلات العسكرية الأميركية، وأن الشعوب الإسلامية لن تنخدع بالكلام المعسول، وأن التغيير الذي تنشده الولايات المتحدة لن ياتي بالشعارات، وإنما بتغيير حقيقي وجذري.
صدمة الفوز
بعد كل هذه المحاولات الأميركية لإسقاط نجاد اعتبر فوزه فشلا للسياسات الأميركية، وجاء كالصدمة لها، إذ يبدو أن استقراء واشنطن لنتائج الانتخابات اللبنانية، لما لها من تشابكات مع الساحة الإيرانية، انعكس بالتمني على توقعاتها الإيرانية.
ثم صعدت ضغوطها في إلى انتظار ما سيحدث بعدها. وذات الصدمة ظهرت في ردود الأفعال الإسرائيلية، مما يشير إلى أن الدولتين اللتين تتربصان بطهران لم تحسنا تقييم الوضع الانتخابي رغم انكشافه أمامهما.
وهذا يشي بان العجز المزدوج في واشنطن وتل أبيب بلغ مداه تجاه إيران. فالأمنيات عندما تتحكم في الدول وفي صناع القرار تدل على إفلاس القدرة على الفعل.
لكن هذه التطورات لا تمنع من أن السياسة الإيرانية في عهد الولاية الثانية لأحمدي نجاد قادرة على إبداء بعض المرونة تجاه إدارة الرئيس باراك أوباما في إطار الالتزام بالثوابت، فما تم انجازه بين الدولتين خلال السنة الأخيرة من عهد الرئيس السابق جورج دبليو بوش يؤشر لذلك. وما يفعله أوباما الآن هو محاولة تعميق هذه التفاهمات. فواشنطن تحتاج الكثير من طهران، وفي المقدمة المعاونة ضد طالبان وتنظيم القاعدة في الساحة الأفغانية، وفي تهدئة الوضع في العراق الذي بدأ يعاود الغرق في دوامة العنف ثانية، والكف عن مناوءة الاستراتيجيات الأميركية في المنطقة، والتوقف عن مساندة فصائل المقاومة في لبنان وفلسطين، والتسليم بما تسفر عنه جهود السلام بين العرب وإسرائيل.
وهذه الحزمة الأميركية تطرح في المقابل حزمة مطالب إيرانية تتحدد في ضرورة اعتراف أميركا بدور إيران في رسم السياسات الإقليمية، والاعتراف ببرنامجها النووي، ومع التسليم بحقها في تخصيب اليورانيوم، والتوقف عن محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي، بما في ذلك الكف عن التآمر ضد نظام الحكم سواء عن طريق منظمة مجاهدي خلق أو غيرها.
لاشك أن معادلة التقارب الأميركية الإيرانية معقدة، لأنها ستكون بالضرورة على حساب أطراف إقليمية، وخاصة العربية منها، مما يطرح تساؤلات عديدة حول مدى قدرة واشنطن وطهران على دفع الكلفة المطلوبة من كل منهما لحساب الآخر أو على حساب الحلفاء والفرقاء العرب.
إضاءة
عندما قامت إسرائيل بمناورتها العسكرية خلال الأيام الماضية، حرصت على الإعلان رسميا بأنها غير موجهة إلى إيران. ومن موسكو قال أفيجدور ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلي إن بلاده لن تضرب إيران، وفي ذات التوقيت ناقضه ايهود باراك وزير الحرب الإسرائيلي الذي صرح من واشنطن بأنه لا يستبعد الخيار العسكري ضد طهران. فيما هددت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إيران بأنها ستواجه ضربة انتقامية أميركية ضد المنشآت النووية، إذا ما شنت هجوما نوويا ضد إسرائيل..ان كل هذه التصريحات المتناقضة في جملتها تعكس حيرة وتخبطات أميركية إسرائيلية في كيفية التعامل مع إيران
كتب ـ المحرر السياسي