إذا كان من الصحيح أن الخطاب، كما يقال، يبدو سهلا من عنوانه، إلا أن مشكلة خطاب أوباما أنه اختار له عناوين كثيرة، حتى أصاب متلقوه بالحيرة! وعلى ذلك نقول إنه بغض النظر عن المضامين والدلالات التي حملها خطاب أوباما الذي ألقاه من القاهرة، وهى جوانب سالت أنهار من الحبر في محاولة رصدها على مدى الأيام التسعة الماضية، نشير في هذه السطور إلى ملمح خاص نراه يعكس جانبا هاما من جوانب الخطاب ألا وهو الفتنة التي تسبب فيها على مدار عالمنا العربي والإسلامي، بل وعلى المستوى الأميركي والعالمي.
وإذا كان العالم العربي شهد على مدار الثلاثين عاما الماضية ما يمكن توصيفه بأربع فتن سياسية (زيارة السادات للقدس ـ الموقف من صدام ـ الصراع بين حماس وفتح ـ فتوى القرضاوي بشأن الشيعة)، فإن أوباما نجح ـ عن قصد أم دون قصد ـ في زرع بذور فتنة خامسة، جديدها هذه المرة أنها من الخارج لتصيب عالمنا العربي بحالة من الجدل وصل حد تبادل الاتهامات بين المختلفين في تحليل الخطاب.
لقد تعددت قراءات الخطاب على نحو مذهل، بشكل يتجاوز تعدد ألوان الطيف السبعة، ما بين متفائل بشدة ومتفائل فقط، ومتفائل بحذر، ومتشائم، وبالغ التشاؤم.. ومرحب ورافض، إلى غير ذلك من مواقف، ووصل الأمر إلى حد أنه فيما أشاد البعض إشادة بالغة بمن أعده، باعتبار أنه يعكس خبرة فريق متكامل يضم خبرات هائلة، وصفه آخرون بأنه بالغ السذاجة.
وفيما اعتبر أناس استشهاد أوباما بالقرآن نوع من التودد يعكس حالة من النفاق، اعتبرته فئة أخرى ـ أميركيا حسبما نشرت الـ «واشنطن تايمز» ـ مؤشرا على أن أوباما أول رئيس مسلم. وبينما قرأ فريق الخطاب على أنه قطيعة مع الإرث البغيض لبوش، قرأه آخر باعتبار أن أوباما ظهر فيه بشكل بوش ولكن بجلد حمل ـ حسبما جاء في «الجارديان» البريطانية.
حول هذه النقطة الأخيرة نقول إنه إذا كان هناك اختلاف حول ما إذا كان الخطاب يعكس ثوابت السياسة الأميركية أم تحول حاد عنها، فإن ما لا يوجد اختلاف بشأنه أنه يعكس لغة جديدة في التعبير عن هذه السياسة، الأمر الذي يتطلب التعاطي معه بمنطق جديد على صعيدنا العربي. يعني ذلك أن الرافضين بنبرة زاعقة للخطاب ينبغي أن يهدأوا من روعهم، وأن المرحبين بأوباما ينبغي عليهم أن لا يطلقوا لأحلامهم العنان.. فالأمر في النهاية، كما ذهب كثيرون، يرتبط بما سيجري على أرض الواقع.
نضيف أن الحكم النهائي على أوباما الآن يبدو كالتفتيش في النوايا، الأمر الذي يبدو من الصعب حسمه. قد يكون أوباما شاب حالم يرغب حقيقة في «التغيير» الذي جعله شعارا له ولإدارته، وهو ما يتطلب منا في هذه الحالة مؤازرته، وأن نكون عونا له باعتبار أننا كعرب أصحاب حق. وقد يكون أوباما صنيعة المؤسسة الحاكمة والتي تدير مقدرات الحكم في الولايات المتحدة من وراء ستار، ورأت فيه الشخص المناسب للمرحلة لتجاوز الأزمة التي تعيشها البلاد جراء سوءات مرحلة نجحت خلالها إدارة بوش بامتياز في الانحطاط بالمكانة الأميركية.
وفي الحالتين ليس المطلوب من العرب، في مواجهة النهج الأوبامي، سواء كان تكتيكيا أم استراتيجيا، تقديم أي تنازلات، فقد قدموا منها الكثير حتى لم يعد هناك ما يمكن تقديمه. بهذا الفهم قد تتلاقى الآراء المتخاصمة في تحليل خطاب أوباما.