تزيد من قتامة وضع الصحف العربية أيضا الخطوط المغلقة مع دوائر صنع القرار في البلاد التي تصدر فيها، فالمسؤولون عن التحرير ليس لهم شبكة العلاقات المتينة التي تربط نظراءهم بهذه الدوائر في الصحف الأجنبية أو حتى العربية المتحررة ولو قليلا من ربقة الأنظمة، ومن ثم فإنهم دائما في وضع من يتلقى التعليمات والتنبيهات بشكل يومي، كما تؤرقهم ملاحظات اقل شخص في النخبة المحيطة بأصحاب السلطة السياسية.

إما أن يبادروا إلى الاتصال للاستفسار عن شيء أو التفاعل بايجابية مع حدث مثار عالميا يخص البلد الذي يعيشون فيه، فذلك يدخل في إطار المكروه، وحينما تنقطع الخطوط أو تسري الاتصالات في اتجاه واحد على هذا النحو تبطل الخصوصية التي تتمتع بها الصحف كونها ناطقة باسم النظام، هذا فضلا عن أن المشاركة في صنع حدث تصبح نوعا من المستحيل. وتستتبع هذا ندرة الحوارات الخاصة مع المسؤولين الكبار الذين بيدهم تسيير أمور البلاد، وهو ما يعطي إيحاء بأن النظام لا يعتبر هذه الصحف موجودة ولا مؤثرة، وحينما يسقطها من حساباته يستتبع ذلك أيضاً سقوطها من حسابات الجمهور المستهدف.

وفي الحالات النادرة التي يدلي فيها مسؤول كبير بحوار لصحيفة تصدر في بلده، فإن الصحافي أو رئيس التحرير ينكمش دوره إلى مجرد التقاط صورة له مع المسؤول، أما أسئلة الحوار وإجاباتها فغالبا لا يشارك فيها الصحافي، بل يترك الأمر لموظف مقرب من المسؤول الكبير بعدها تخضع لدائرة غامضة من المراجعة ثم ترسل معلبة في نهاية المطاف لتنشر كما هي في الصحيفة ممهورة باسم الصحافي دون أي تدخل منه ولو في إعادة صياغة عنوان.

الأمر ذاته ينسحب على مراسلي الصحيفة ومكاتبها في الخارج، فغالبا لا يحبذ رئيس التحرير كثيرا وجود صحافيين ذوي كفاءة تجذب الانتباه، فصاحب الكفاءة ينقب عن الأخبار ويتتبعها، ولما كانت الأخبار الايجابية تصله دون عناء فإن جهده ينصب على كشف مالا يرغب أحد في كشفه، ونشر قصص كهذه لابد أن تثير جدلا أو عتابا، الأمر الذي يقود في النهاية إلى تجريد الصحيفة من كونها صحيفة وليست منشورا دعائيا على المستويين الداخلي والخارجي.

ولما كان الأمر كذلك، فإن الحاجة لوجود مراسلين أو مكاتب في الخارج تكاد تنعدم، ويتم الاستغناء عنهم والاكتفاء بما تبثه وكالات الأنباء، كما ان المراسل المتجول الذي يتحرك إلى أماكن الأحداث حتى لو كانت أحداثا رسمية، فضلا عن الحروب والمجاعات وأماكن التوتر، يختفي تماما ويحل محله صحافيون أشبه بمندوبي العلاقات العامة يرافقون الوفود الرسمية إلى الخارج في أحيان قليلة ولمجرد استكمال الصورة.

دليل ذلك حرب العراق او العدوان على غزة وهما اقرب حدثين عربيين.. لنا أن نتخيل كم صحيفة رسمية عربية أوفدت أحد محرريها لتغطية ما يجري على ارض الواقع، رغم ان أغلب الصحف الأجنبية الكبيرة والمتوسطة أرسلت طواقم كاملة تتيح لها معرفة حقيقة ما يجري في الميدان. واكتفى الإعلام الرسمي العربي في أكثر من ثلثي البلدان الناطقة بلغة الضاد بالنقل عن صحف أجنبية، وفي أحيان كثيرة عن صحف إسرائيلية.

لم يدر بذهن القائمين على هذا الإعلام «الميت»أن يخصوا قارئهم بقصص صحافية خاصة، ولا أن يطبقوا أبسط قواعد التنافس الإعلامي مع الوسائل الأخرى من فضائيات وصحف ومواقع الكترونية، بل كان كل شاغلهم هو ديكورات المؤسسة التي يصدرون منها الصحيفة حتى ما إذا دفعت الصدفة بمسؤول كبير لزيارتها ولو عرضا، لا تصدر عنه ملاحظة تخص المكان، أما المكانة فمسألة لقيطة لا تجد لها أبا.