استعصاماً بنظرتينا التقليديتين أضعنا الخلاصات الطازجة في خطاب أوباما القاهري. كالعادة انشطرنا في قراءة الرسالة بين المديح العالي والهجاء الفضائي في نظرتينا، المادحة والناقدة، استندنا إلى تراثنا القومي المتجسد في الرئيس صاحب اليد المطلقة والحزب القائد. رؤانا الصمدية إزاء الولايات المتحدة حجبت عنا كذلك الحقيقة الجديدة. باراك أوباما رغبة أميركية سياسية ملحة وليس ظاهرة اجتماعية. الرئيس الهجين جاء بفعل ماكينة صنع القرار السياسي في واشنطن وليس عنوة عنها. هو يدور داخل الماكينة ويطلقها وليس خارجاً عن إراداتها.
خطاب أوباما في مصر ليس مبادرة شخصية أو «بروشور» علاقات عامة كما يظن البعض. هو برنامج سياسي مكثف موجه إلى المنطقة العربية خاصة والمسلمين ثانياً. الإدارة الديمقراطية الجديدة مصرة على محو رزايا الجمهوريين وتداعياتها في العالم العربي أولاً والإسلامي عامة. هكذا قال أوباما علناً «أتيت للبحث عن بداية جديدة بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة استناداً إلى المصلحة المشتركة. في التوجه الجديد تتجه إدارة أوباما من تفكيك الأنظمة إلى احتوائها. طمأنة للأنظمة أضاف الرئيس الأميركي معترفاً «أحداث العراق ذكرت أميركا بضرورة استخدام الدبلوماسية لتسوية مشاكلنا».
الإدارة الديمقراطية تستبدل احتواء الأنظمة بالتفكيك في ضوء حقيقة بارزة تتجسد في تفكك فصائل المعارضة العربية. الخلاصة العراقية غير المعلن عنها في خطاب أوباما هي انزلاق أميركا إلى مستنقع الدم بفضل الاعتماد على المعارضة هناك. الرئيس الأميركي قال صراحة «البعض لا ينادون بالديمقراطية الا عندما يكونون خارج السلطة» ويقمعون حقوق الآخرين بعد وصولهم إلى السلطة.
عندما يؤكد أوباما على متانة الحلف الأميركي الإسرائيلي ويراه غير قابل للكسر فانه لا يمارس علاقات عامة. أكثر من ذلك ذهب في دفاعه عن الإسرائيليين حد حملنا وزر اضطهادهم في أوروبا.
أوباما عرض لائحة ب«جرائم» الفلسطينيين مثل إطلاق الصواريخ وتفجير الحافلات واتهمهم بالافتقاد إلى الشجاعة. الرئيس الأميركي أغفل عمداً جرائم الإسرائيليين في المقابل فلم يذكر ولو اقتلاع شجرة زيتون. إذا كان هذا ممارسة لعلاقات عامة فكيف تكون السياسة؟
في مطالبته لإيران يتجاوز «الثقة المفقودة» يذكرها «أن السؤال المطروح الآن لا يتعلق بالأمور التي تناهضها ولكن يرتبط بالمستقبل الذي تريده. في الوقت نفسه يؤكد أوباما على «منع سباق التسلح يشكل نقطة الحسم».
برنامج أوباما السياسي في القاهرة «توسيع الشراكة مع المجتمعات الإسلامية وبرامج التبادل الدراسية ومحو الأمية».
من مهام الرئيس الأميركي حماية حياة الشعب الأميركي وليس من أعبائه حض الأنظمة على التزام حكم العدالة والعدالة والمساواة.
كما هو ليس مكلفاً بتأمين الحرية الدينية والتسامح فيه وحقوق الأقليات الأثنية والطائفية في العالم الإسلامي. كما ليس في مهامه ضمان حقوق المرأة المسلمة في بلدها أو في أقطار أوروبا.
مع ذلك فهل هذه محاور للخلاف أم للائتلاف مع أوباما أيما نظرة موضوعية في خطاب أوباما لن تدعو للانصراف عنه باعتباره محاضرة وعظ من خطيب مفوه.
كما أن مثل هذه النظرة لا تحرض بالضرورة على الاندفاع معه.
في خطاب أوباما القاهري ملامح استراتيجية أميركية جديدة يجب القبض على لحظتها التاريخية