جاءت العملية الديمقراطية الانتخابية النيابية اللبنانية في دورتها الأخيرة في مناخات عالية من النزاهة، ومن السلاسة دون وقوع إشكالات، طالما تخوف البعض من حدوثها، على خلفية الاحتقان من جهة والاحتدام والتنافس العالي من جهة ثانية بين مكونات الخريطة السياسية اللبنانية، وذلك بعيداً عن النتائج التي أسفرت عنها ورست عليها. فقد نجح لبنان وشعبه في عبور امتحان الانتخابات بسلام بعد أن تم الإعداد لها بشكل جيد وفقا للمعايير الدولية بواسطة وزير الداخلية زياد بارود، وبعد أن استحوذ لبنان دعماً فنياً ومالياً من دول الاتحاد الأوروبي فضلاً عن وجود فريق من المراقبين الدوليين بما فيهم الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر.
ترقب و«حبس أنفاس»
وكان من عوامل نجاحها أنها تمت في يوم واحد فقط وعلى كافة الأراضي اللبنانية وبضوابط عالية، الأمر الذي قلل إلى أبعد حد ممكن من احتمالات التزوير والغش والتلاعب في الأصوات، بحيث تم إعلان النتيجة عقب انتهاء التصويت بساعات قليلة نسبياً، ودون أن يرافق الإعلان عن نتائج أي مظاهر للانفلات التي طالما توقعها البعض وتوجس حدوثها. وما عزز من حالة الهدوء التي سادت وجود خمسين ألفاً من رجال الجيش اللبناني وأجهزة قوى الأمن الداخلي في خدمة الحفاظ على أمن مراكز الاقتراع.
كما جاءت الانتخابات البرلمانية اللبنانية وسط حالة من الترقب و«حبس الأنفاس» ليس من قبل الشعب اللبناني وقواه السياسية، بل ومن قبل القوى الإقليمية التي تابعت بدأب وسهر كبير نتائجها لحظة بلحظة، استعداداً وتهيئة لما ستسفر عنه «المعركة الانتخابية»، حيث سيتحدد مستقبل الخيارات السياسية أمام صانعي القرار في لبنان خلال الأعوام الأربعة المقبلة، من القضايا الاقتصادية وصولاً إلى المواقف من التحولات المتوقعة في المنطقة مع صعود الديمقراطيين في الولايات المتحدة وخطاب الرئيس باراك حسين أوباما الأخير الذي وجهه للعالمين العربي والإسلامي من القاهرة، وأعلن فيه نيته إعادة إطلاق العملية التفاوضية بين البلدان العربية ومنها لبنان مع الدولة العبرية الإسرائيلية.
وعليه، فقد بدأ الناخبون اللبنانيون صباح يوم الأحد (7/6/2009) الإدلاء بأصواتهم في انتخابات تشريعية «مشحونة» أو لنقل مليئة بـ «التوتر» بين المعارضة بقيادة تحالف (حزب الله + حركة أمل + التيار الوطني الحر+ قوى أخرى...) وهو التحالف الذي يحظى بتعاطف سوري وإيراني ومن فصائل المعارضة الفلسطينية، والموالاة بقيادة تيار المستقبل، والتي تحظى بتعاطف وإسناد المملكة العربية السعودية ومصر، إضافة للغرب وخصوصاً فرنسا.
وفتحت مراكز الاقتراع أبوابها في الساعة السابعة صباح اليوم الانتخابي، وتم إغلاقها بعد (12) ساعة، بعد أن شهدت صناديق الاقتراع تدفقاً كبيراً للناخبين، فحظيت هذه الانتخابات بإقبال كبير ومتميز فاق ما وقع في انتخابات العام 2005. فقد صوت (36%) من الناخبين في أول ساعتين، وارتفع منسوب التصويت ليصل بالمتوسط إلى حدود (54%) من المصوتين متجاوزاً نسبة التصويت في انتخابات العام 2005 التي بلغت في حينها (45،8) من نسبة المصوتين. وحسب وزير الداخلية زياد بارود فان نسبة التصويت وصلت إلى أرقام عالية في بعض المناطق مثل كسروان حيث بلغت فيها نسبة التصويت (70%) من أصوات الناخبين في الدائرة المذكورة وهي نسبة عالية بكل المقاييس، بينما بلغت (65%) في المتن وجبيل، وبلغت (60%) في مناطق البترون، ونسبة (63%) في عكار شمال لبنان، وكانت النسبة الأقل في دائرة بيروت الثانية حيث بلغت (29%) فقط.
خريطة التحالفات
وفي الوقائع المباشرة للعملية الانتخابية، يمكن القول بأن تحالفين سياسيين رئيسيين سادا المشهد الانتخابي، أولهما «تحالف قوى الرابع عشر من آذار» أو ما عرف باسم تحالف الأغلبية أو قوى الموالاة بقيادة سعد الحريري وعماده الرئيسي (تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري، وتيار القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، والتيار الديمقراطي بقيادة وليد جنبلاط، وحزب الكتائب بقيادة الرئيس الأسبق أمين الجميل وآخرون). وثانيهما تحالف «قوى الثامن من آذار» أو ما عرف باسم قوى المعارضة وعماده الرئيسي كلاً من (حزب الله، وحركة أمل بقيادة نبيه بري، التيار الوطني الحر بقيادة العماد ميشيل عون، ومجموعة المردة بقيادة سليمان فرنجية، إضافة لمجموعات متفرقة مشكلة بشكل أساسي من المسلمين السنة، وكتلة من المسلمين الدروز بقيادة طلال أرسلان). فيما برزت مجموعة من أسماء المستقلين من الاقتصاديين والتكنوقراط، الذين فضلوا في الأيام ما قبل الأخيرة الانضواء تحت قوائم قوى الموالاة لأسباب تتعلق بحسابات «الربح والخسارة» لا أكثر ولا أقل، وأبرز هؤلاء يأتي رئيس الوزراء السابق ورجل الأعمال الثري المسلم السني نجيب ميقاتي الذي تحالف مع قوائم الموالاة في طرابلس الشمال، إضافة لميشيل المر وهو أيضاً ثري ورجل أعمال من طائفة المسيحيين الأرثوذكس الذي تحالف بدوره مع قوى الموالاة في منطقة المتن في مواجهة قائمة المعارضة التي تضم ممثلي العماد ميشيل عون.
ويلحظ أن حالة إعادة إنتاج التشكيلات العائلية بدت واضحة، من خلال تكرار بروز أسماء مرشحي أبناء العائلات التقليدية، ومنهم نحو ثلاثين مرشحاً من أبناء «عائلات تقليدية أو سياسية إذا صح الأمر»، ومن بينهم على سبيل المثال لا الحصر، نديم جميل ابن الرئيس اللبناني الأسبق بشير جميل الذي قتل عام 1982 بعد ضلوعه في التعاون مع قوات الاحتلال الإسرائيلي التي اجتاحت لبنان آنذاك. كذلك شأن نايلة تويني (24 عاماً) بنت الصحافي والنائب جبران تويني الذي اغتيل عام 2005. وميشال معوض ابن النائبة والوزيرة السابقة نايله معوض والرئيس الأسبق رينيه معوض الذي أغتيل عام 1989 بعد أيام قليلة من انتخابه لرئاسة الجمهورية. وسليمان فرنجية سليل عائلة فرنجية التي طالما حافظت على حضورها في البرلمان اللبناني تحت قياده جده سليمان فرنجية رئيس لبنان الأسبق.
حدة التنافس
وبالمحصلة، فقد تنافس (702) مرشح على (128) مقعداً هي مجموع المقاعد البرلمانية، والتي تتوزع حسب حصص ثابتة بين عشرة من أصل (18) طائفة دينية واثنيه على امتداد لبنان، مع الاحتفاظ بمقعد للأقليات. وتتوزع المقاعد بين (26) دائرة انتخابية تضم قرابة (26. 3) ملايين مواطن لبناني يحق لهم الاقتراع وتنطبق عليهم شروط الانتخاب والترشيح. وقد وزعت إعداد المقاعد المخصصة للمسيحيين والمسلمين في كل منطقة بحيث تعكس عدد السكان وتركيبتهم الطائفية في هذه المناطق. فبعض المناطق مثل مدينة صور وقضاءها في الجنوب اللبناني، فانه ينحصر تمثيلها على المسلمين فقط. والبعض الآخر مثل المتن شمالي بيروت ينحصر التمثيل فيها على المسيحيين فقط. ويمكن للقائمة أن تشمل مرشحين لبعض أو كل المقاعد المتوفرة في الدائرة. بينما شكل حلفاء (14 آذار) و(8 آذار) المتنافسون قوائم مضادة في معظم المناطق الانتخابية.
ومن المعلوم أن الانتخابات جرت على أساس القانون الانتخابي الجديد الذي أقر في اتفاق الدوحة في قطر مايو 2008 الذي تمت المصادقة عليه في (29 سبتمبر 2008)، والذي يقول بمبدأ التمثيل المتساوي للمسيحيين والمسلمين في البرلمان وفقا للتوزيع التالي للمقاعد: أولاً المقاعد المسيحية (64) مقعداً موزعة كما يلي (المسيحيون الموارنة 34 مقعداً + الروم الأرثوذكس 14 مقعداً + الروم الكاثوليك ثمانية مقاعد + المسيحيون البروتستانت مقعد واحد + المسيحيون من الطوائف الأخرى مقعد واحد + ستة مقاعد للمسيحيين الأرمن). ثانياً المقاعد الإسلامية (64) مقعداً موزعة كما يلي (المسلمون السنة 27 مقعداً، المسلمون الشيعة 27 مقعداً، المسلمون الدروز ثمانية مقاعد، المسلمون العلويون مقعدان)
وقد بلغت نسبة المسلمين من يحق له الانتخاب والترشيح (4. 60%) من أصوات الناخبين، في حين شكل المسيحيون (39%). ومن هنا فان الحسابات الرياضية الفورية تشير بأن المسلمين السنة ملكوا أكبر عدد من المقترعين المسجلين بنسبة قاربت (2. 27%) يليهم السلمون الشيعة بنسبة قاربت (7. 26%)، ثم المسيحيون الموارنة بنسبة (9. 20%) وذلك وفقاً للقوائم الانتخابية التي أعلنتها وزارة الداخلية اللبنانية وهو ما يفسر وجود كتلة تيار المستقبل كأكبر كتلة انتخابية في البرلمان الجديد.
تحليل النتائج
وفي تحليل النتائج، يمكن القول بأنه ومنذ اللحظات الأولى للعملية الانتخابية، أنها محسومة النتائج في المناطق ذات النفوذ الإسلامي الشيعي، وشبه محسومة في بعض مناطق النفوذ الإسلامي السني، في حين شهدت المناطق المسيحية في كسروان والمتن وزحلة والأشرفية في بيروت مواجهات انتخابية حادة حسمت الموقف لصالح قوى الموالاة، بالرغم من أن توقعات المراقبين واستطلاعات الرأي كانت تميل في معظمها إلى ترجيح كفة الفوز إلى جانب تكتل العماد ميشال عون.
وانطلاقاً من المعطيات الميدانية فان النتائج التي أسفرت عنها العملية الانتخابية جاءت متطابقة لجهة التقديرات المتعلقة بعدد من الدوائر الانتخابية التي يحظى فيها حزب الله وحركة أمل بحضور جيد، كذلك دوائر شمال لبنان المسيحية، حيث نفوذ حزب المردة بقيادة سليمان فرنجية. إلا أن الاختراقات الفعلية التي وقعت واستهدفت قوائم المعارضة فقد تحددت جزئياً في دوائر الحضور الإسلامي السني في شمال لبنان، حيث تمكن نجيب ميقاتي من الفوز على حساب مرشح قوى المعارضة عمر كرامي شقيق الشهيد رشيد كرامي، كما وقع الخرق ذاته في صيدا مع تراجع أسامة سعد وصعود قائمة المستقبل، بالرغم من السمعة الطيبة التي يحملها أسامة سعد باعتباره وريث المناضل اللبناني الشهيد معروف سعد الذي استشهد وهو يقود مظاهرات الصيادين والعمال في صيدا عام 1975. أما الخرق في الدوائر المسيحية لقوائم المعارضة فقد وقع في المتن وزحلة والأشرفية بشكل رئيسي وهو ما أزاح الكفة لصالح الموالاة. لذلك فان التراجع الذي أصاب التيار الوطني الحر بقيادة ميشيل عون أدى إلى ميل الكفة لصالح الموالاة وخسارة المعارضة بحدود عشرة مقاعد، ومكن بالتالي قوى (14 آذار) من الفوز.
أسباب التراجع
وفي هذا السياق، فان أوساط المراقبين ترجع أسباب التراجع الذي أصاب الدوائر التي انتكست فيها قوائم المعارضة المتمثلة بالتيار الوطني الحر بقيادة العماد ميشيل عون وبعض المواقع الإسلامية السنية المحسوبة على المعارضة شمال لبنان ومنطقة صيدا إلى ثلاثة عوامل متضافرة:
؟ أولها القانون الانتخابي «المتخلف» حيث ذهب اللبنانيون إلى الانتخابات كطوائف وليس كشعب موحد حيث آليات التحشيد وفق الكتل المذهبية.
؟ وثانيها الشحن الطائفي والمذهبي والتدخل المباشر للكنيسة في المناطق المسيحية بهدف الإطاحة بقوائم العماد ميشيل عون، فقد برز الحضور القوي والطاغي للموقف الأخير للبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير الذي اعتبره المراقبون عراب الموجة المسيحية التي صبت لمصلحة قوى (14 آذار) والمستقلين.
؟ وثالثها دخول عنصر «المال السياسي الانتخابي» بكثافة غير مسبوقة على الإطلاق من جانب الموالاة في المناطق المذكورة التي شهدت «كسر عظام» وفي مناطق بيروت والبقاع الغربي. وقد أشارت مصادر المعارضة في معلومات أوردتها بقوة ودافعت عنها، تفيد بأن قوى الموالاة صرفت على العملية الانتخابية خلال الأشهر الماضية إلى حين إجرائها مايساوي مليار ومئتي مليون دولار، وهو مبالغ يتجاوز حدود المعقول في بلد بحجم لبنان، وأن الموالاة استقدمت (56) ألف لبناني من المهاجر الأجنبية بواقع (120) رحلة طيران شارتر بقصد التصويت في مناطق لبنان المختلفة.
وبالمحصلة، كانت النتيجة أن حافظت قوى الموالاة (قوى 14 آذار) على أكثريتها في مجلس النواب اللبناني وذلك حسب النتائج النهائية للانتخابات بحصولها على (71) مقعداً في البرلمان المكون من (128) عضواً، مقابل (57) مقعداً لقوى المعارضة، وهو أمر لايعد خسارة بالمعنى التام للكلمة لأن المعارضة باتت موجودة بكل الحالات بكتلة نيابية ضخمة تستطيع أن تعطل أي قرارات غير توافقية.
تحديات ما بعد الانتخابات
وعلى كل حال، إن تحدي المرحلة التالية ما بعد الانتخابات، يفترض بجميع القوى اللبنانية قاطبة من موالاة ومعارضة أن تتحلى بروح ايجابية ومسؤولة في تقبل نتائج العملية الانتخابية، بروحية تتعالى عن المكاسب الفئوية لصالح الهم الوطني العام، وهو أمر ضروري للانطلاق في المرحلة التالية من أجل قيام حالة سياسية هادئة ومستقرة في لبنان، تفتح طريق بناء التوافق الوطني اللبناني، والانتقال لحل ثلاثة قضايا جوهرية، وعدم التمترس وراء شعارات «غالب ومغلوب».
والقضايا الثلاثة الجوهرية التي باتت الآن تنتظر الحلول، تتحدد في:
؟ أولاً انتخاب رئيس للمجلس النيابي من الطائفة الإسلامية الشيعية وفقاً للدستور.
؟ وثانياً الاتفاق على ترشيح رئيس للوزراء من الطائفة الإسلامية السنية، حيث يفترض أن تقدم كتلة تيار المستقبل بقيادة سعد الحريري مرشحها لهذا المنصب.
؟ وثالثاً التوافق على تشكيل الحكومة وعلى برنامجها، وعلى توزيع الحقائب السيادية الكبرى على الطوائف الأربع الكبرى (موارنة وأرثوذكس + سنة وشيعة)، وهذه الحقائب هي الداخلية والدفاع والمالية والخارجية.
وهنا فان التوافق على البرنامج الحكومي أمر ضروري لابد منه، وإلا فان الحالة السابقة من الانقسام التي سادت خلال السنوات الماضية ستعيد إنتاج نفسها وبطريقة أسوأ قد تقود لانهيارات لبنانية داخلية.
أما القضايا التالية أمام المجلس النيابي اللبناني الجديد، فإنها تحتاج لصبر في مواجهتها للوصول إلى توافق بشأنها في وقت لاحق، والقضايا هي:
؟ أولاً سلاح حزب الله الذي تعتبره غالبية القوى اللبنانية سلاحاً للمقاومة.
؟ وثانياً العلاقات مع سوريا من ناحية تنظيمها وإعادة ترتيبها على أساس التداخل الكبير في حياة ومستقبل البلدين الشقيقين والخصوصية التي تطبع وتميز هذه العلاقة.
؟ وثالثاً المحكمة الدولية ورفض أي تحقيق مسيس وغير نزيه.
علي بدوان