اعتاد الجيش الإسرائيلي، بين فترة وأخرى، إجراء مناورات عسكرية لأحد قطاعاته العسكرية، أو لجميع هذه القطاعات، بغرض الحفاظ على لياقة هذا الجيش، وتطوير قدراته، وتبيّن حسن التناسق في أدائه، واستخدامه الأمثل للأسلحة الحديثة التي تدخل مجال الخدمة العسكرية. وبديهي أن القيام بهذه المناورات، حتى لو كانت مجرد روتينية وتدريبية، يأخذ أبعادا أخرى خارجية، أيضا، لجهة الإيحاء للخارج بجهوزية إسرائيل من الناحية العسكرية، وتعزيز صورتها الردعية في المنطقة.
لكن مناورات إسرائيل العسكرية هذه بات لها منذ سنوات عديدة، ولاسيما منذ الإخفاق الذي منيت به في الحرب على لبنان (2006) معان أخرى، تتعدى الأغراض التدريبية والتقنية، إلى أغراض سياسية واستراتيجية.
الإطار السياسي /الأمني
وتأتي المناورة العسكرية التي قامت بها إسرائيل يوم 31 مايو، ولمدة خمسة أيام، واعتبرت الأضخم في تاريخ إسرائيل، في ظروف سياسية دولية وإقليمية حرجة، وفي ظل حكومة إسرائيلية يسيطر عليها اليمين القومي والديني المتطرف، وبعد شنّ إسرائيل لحربين في الفترة من 2006 - 2009 (ضد لبنان وضد قطاع غزة) لم تنجح فيهما تماما في تحقيق أهدافها، بالقياس للحروب السابقة التي خاضتها.
ويمكن إجمال الإطار السياسي/الأمني للمناورة العسكرية الكبيرة، التي أجرتها إسرائيل مؤخرا، في المجالات التالية:
أولا، على الصعيد الدولي ثمة تغير كبير في السياسة الدولية مع انصراف إدارة بوش السابقة، ومجيء إدارة جديدة إلى البيت الأبيض، برئاسة باراك أوباما. والواضح أن هذه الإدارة تحث الخطى نحو الخروج من العراق، والانفتاح على سورية وانتهاج الدبلوماسية والحوار في التعاطي مع مسعى إيران لامتلاك قوة نووية. فضلا، عن ذلك فإن هذه الإدارة تضع ضمن سلم اولوياتها تحسين العلاقات مع العالم العربي، من مدخل حل الدولتين. ولاشك أن كل هذه التحولات تضع إسرائيل مجددا في مواجهة وضع أمني جديد في الشرق الأوسط، بعد أن كانت اطمأنت للوجود الأميركي المباشر فيه (لاسيما في العراق).
ثانيا: تتابع إسرائيل عن كثب المخاطر الناجمة عن تزايد نفوذ إيران الإقليمي، ولاسيما سعيها الحثيث لحيازة قوة نووية، ما يعني إمكان كسر احتكار إسرائيل لهذا السلاح، وتقويض قوتها الردعية؛ ما يعرضها لمخاطر جدية ووجودية مستقبلا.
ثالثا: تأتي هذه المناورة، وهي الثالثة من نوعها، بعد الحربين التي شنتهما إسرائيل على لبنان وعلى قطاع غزة، لتعزيز صورتها كدولة رادعة، وترميم التآكل في معنويات جيشها ومواطنيها. وكانت إسرائيل عكفت باستمرار على إظهار جيشها باعتباره «الجيش الذي لايقهر»، ولكن هذه الصورة باتت عرضة للتآكل بنتيجة إخفاق محاولات الجيش وأد المقاومة في لبنان وفلسطين.
رابعا: تحاول إسرائيل من خلال مراجعاتها لاستراتيجيتها العسكرية، ومن خلال المناورات التي تجريها، استنباط الدروس من حربيها ضد لبنان وضد قطاع غزة، من النواحي التالية:
(1) تصاعد القوة الصاروخية لحزب الله في لبنان وحركة حماس في قطاع غزة، وهي الصورايخ التي نقلت المعركة إلى الداخل الإسرائيلي، وعرضت المدن الإسرائيلية والإسرائيليين، لأول مرة، للضربات الصاروخية، مقوضة ركنا أساسيا من أركان العقيدة الأمنية الإسرائيلية التقليدية.
2) التمرن على مخاطر انفتاح عدد من الجبهات في وقت واحد، أي من الشمال (لبنان وسورية) ومن الجنوب (حركة حماس في قطاع غزة.
3) تعزيز قدرة جيشها على مواجهة تكتيكات حركات المقاومة اللا دولتية، بعد أن كان هذا الجيش يعد نفسه على مواجهة جيوش نظامية. ومن الواضح أن قدرة هذا الجيش كانت تآكلت نتيجة انهماكه بمواجهة الفلسطينيين في الانتفاضتين الأولى والثانية، وانشغاله بإقامة حواجز على الطرقات وتفتيش العابرين من النساء والأطفال والشيوخ، وملاحقة المقاومين في المدن والجبال. وكان بن كسبيت وصف هذا الوضع بقوله: «الجيش ليس جاهزا لهذا النوع من القتال. الجيش أصبح ثقيلا متكرّشا عبر السنين..ما يجري ليس بانتفاضة شعبية وإنما حرب عسكرية غير متماثلة بين جيش كلاسيكي ومجموعة من العصابات». (معاريف 5/10/2002)
ولعل هذه الظروف هي التي عزّزت التساؤلات والتخوفات لدى الأطراف العربية والإقليمية من إمكان استعداد إسرائيل للقيام مستقبلا بنوع من خطوة عسكرية غير محسوبة، في أكثر من اتجاه، وخصوصا ضد المنشآت النووية في إيران؛ وهي تخوفات في محلها، لاسيما بالنظر لسابقة قيام إسرائيل بضرب المنشآت النووية في العراق (1981)، وتهديداتها المستمرة بشأن عدم السماح لإيران بتملك أسلحة نووية.
وإذا كان من حق إيران أن تتحسّب من أية خطوة إسرائيلية، فإن عديدا من الحكومات العربية المعنية أبدت خشيتها من قيام إسرائيل بأية خطوة عسكرية مستقبلا، ولو كانت في أي اتجاه، على اعتبار أن ذلك ربما يؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها في المنطقة.
أما بالنسبة للحكومة الإسرائيلية فأعلنت على لسان رئيسها بنيامين نتانياهو بأن هذه مجرد مناورة روتينية ولا تشكل تهديدا لأحد وأن الغرض منها «إجراء تمرين قيادة للجبهة الداخلية على مستوى الحكومة». ولم يخف نتانياهو في كلامه أبعاد هذه المناورة التي تستهدف التمرين على «حماية دولة إسرائيل بمدنها ومنشآتها المختلفة إزاء احتمال تعرضها لهجمات بالصواريخ والقذائف والوسائل الأخرى».
ومن جهته أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان له أن الهدف من هذه المناورة، التي تعتبر الأضخم في تاريخ إسرائيل، «إعداد المواطنين والجنود وطواقم الإنقاذ على احتمالات الحرب..وأنها لا تستهدف إيران». وقال نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، ماتان فلناي: «لا علاقة لإيران بهذه المناورات.. هذه المناورات تتعامل مع مسائل سنواجهها في المستقبل القريب.. نحن نعرف قدرات أعدائنا حولنا، ونعرف قدرات حزب الله وحماس والسوريين.. كذلك نواياهم في ضرب وسط المناطق المأهولة بالسكان في إسرائيل. وأضاف: «أن تل أبيب تشكل قلب إسرائيل، ونحن ندرك هذا الأمر كما يدركونه، وبالتالي علينا أن نظهر لهم أنه إذا كانوا يضمرون شيئاً، فإننا سنكون مستعدين له».
طبيعة المناورة
وكانت إسرائيل قد شرعت منذ يوم الأحد (31 مايو) بمناورة عسكرية، هي الأضخم من نوعها، أطلقت عليها اسم «نقطة التحول 3»، وهي التالية لمناورتين أجرتهما في العامين الماضيين. والجدير ذكره أن هذه المناورة لم تقتصر على الجيش فقط، بل شاركت فيها مؤسسات الدولة المختلفة. فقد شمل التدريب في هذه المناورة العاملين في المرافق العامة، بما فيها المدارس والقواعد العسكرية والمقار الحكومية. وتضمنت المناورة عمليات إطلاق صواريخ وغارات جوية وهمية تستهدف المرافق الأساسية والبنى التحتية واستخدام الأسلحة ضد المدنيين، كما تضمنت عمليات الإخلاء والإنقاذ والتصدي، بهدف اختبار مدى الاستعداد لمواجهة هجمات «محتملة» من مختلف الجبهات. وبلغت المناورة ذروتها يوم الثلاثاء (2 يونيو) حيث الصفارات لمدة 90 ثانية في جميع أنحاء البلاد. وقامت قيادة الجبهة الداخلية ببثّ تعليمات وأشرطة إرشادية للجمهور في قناة رقم 33. وعرضت الأشرطة على الجمهور لاختيار المجال الآمن وكيفية التصرّف لدى سماع صفارة الإنذار.
وتمّ التخطيط مسبقًا لإجراء هذه المناورة في إطار خطة جيش الدفاع للتدريبات خلال عام 2009. وقامت لجنة وطنية إسرائيلية مؤلّفة من ممثلي مؤسسات حكومية مختلفة بإعداد التمرين بدقّة خلال الأشهر القليلة الماضية.
ويعتبر اللواء احتياط يعقوب عميدور أن «هذه المناورة تشكل جزءاً مهماً من خطة الدفاع في وجه الصواريخ، وأنها مبنية من عدة طبقات. الطبقة الأولى هي طبقة الاستخبارات والضربة الاستباقية. فقد سجل الجيش الإسرائيلي نجاحا كبيرا على هذا الصعيد، سواء في لبنان أو في غزة، ذلك أنه على أساس المعلومات الاستخبارية الدقيقة، تم القضاء في بداية المعارك على العديد من منصات الإطلاق والصواريخ. لكن في المقابل، ثبُت لنا ضعف هذه الطبقة، حيث إنه على الرغم من الضربة التي تلقاها العدو، بقي لديه فائض من الصواريخ كان كافيا بالنسبة إليه لإطلاقها بشكل متواصل خلال العمليتين (في لبنان وغزة)».
الطبقة الثانية هي القدرة على ضرب الصواريخ والمقذوفات الصاروخية أثناء طيرانها. فإسرائيل.. تمتلك قدرة غير سيئة للمس بالصواريخ البعيدة المدى من طراز شهاب. ومع ذلك، ينبغي على إسرائيل أن تواصل عملية تطوير الجيل الثالث من صاروخ حيتس، بمساعدة من قبل الولايات المتحدة، بغية التصدي للجيل الجديد من الصواريخ التي تطورها إيران من جهة، وللمقذوفات الصاروخية القصيرة المدى من جهة ثانية. ثمة من يدعي أن هذه الطبقة ستكون أكثر فعالية وجدوى عندما تكون لدى الجهة المدافعة القدرة على ضرب الصاروخ المنطلق وهو في بداية طيرانه.
الطبقة الثالثة هي تلك التي بُنيت في مكان سقوط الصاروخ، في عمق الدولة، وهي تشمل عناصر كثيرة. الملاجئ يجب أن تكون جاهزة؛ منظومة الإنذار يجب أن تتيح الدخول إلى الملاجئ خلال فترة زمنية سريعة ومريحة؛ كما يجب تحسين قدرة الإنقاذ من المكان الذي يصيبه الصاروخ، وكذلك القدرة على تحديد الأضرار وسرعة تقدير طبيعة الضرر وحقيقته.. وذلك بغية السماح بمواصلة القتال على الجبهة واستمرار الحياة في الجبهة الداخلية خلال التعرض لهجوم صاروخي..إن المناورة التي تجريها الجبهة الداخلية تهدف عمليا إلى فحص الطبقة الثالثة على أمل أن لا نحتاجها، لكن بغية الوصول إلى معرفة بأنه في حال نشأ وضع كهذا، فستسير الأمور بصورة أفضل. («إسرائيل اليوم» 1/6/2009)
أي مدى للحرب المقبلة؟
هكذا فإن فكرة هذه المناورة، كما هو واضح، تنطلق من سيناريوهات مختلفة، تندمج فيها عدة مخاطر وتحديات، ضمنها اندلاع حرب في الشمال والجنوب، وحدوث انتفاضة عربية في داخل إسرائيل، وهي سيناريوهات تتلقى فيها الجبهة الإسرائيلية الداخلية وجبة كبيرة من مختلف أنواع الصواريخ.
وبهذا المعنى فإن إسرائيل تتحسّب لإمكان اندلاع حرب شاملة، أو ربما أنها تمهد المسرح، وتعد جيشها مستقبلا لشنّ حرب شاملة في المنطقة أو لضربة لمنشآت إيران النووية، وربما كلاهما معا، بحيث تستطيع خلالها قلب المعادلات السياسية الراهنة، التي تجد نفسها محشورة فيها، مع التغير في السياسة الأميركية، وتزايد نفوذ إيران وتصاعد قوى المقاومة اللا دولتية في المنطقة، للتخلص من هذا الواقع غير المواتي خصوصا للحكومة الإسرائيلية الحالية (بقيادة نتانياهو وليبرمان).
ويؤكد ما ذهبنا إليه أن القيادة العسكرية الإسرائيلية كانت عقدت ورشة عمل لأركان الجيش الإسرائيلي (في أغسطس 2007) شارك فيها كبار جنرالات الجيش، من مختلف القطاعات. وكانت هذه الورشة توصلت إلى عديد من الاستنتاجات، لتأهيل الجيش، من ناحية الهيكلية والتسليح ومن ناحية مراجعة الاستراتيجية العسكرية. وبحسب مجلة «ديفنس نيوز» الدفاعية، فقد بلغت موازنة هذه الخطة 60 بليون دولار ستغطي المساعدات الأميركية حوالي ثلثها. وفي تبرير هذه الخطة، في حينه، اعتبر افرايم سنيه (نائب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق وعضو الكنيست عن حزب العمل) أن الحرب مع «حزب الله» «أيقظت إسرائيل من سبات عميق»، وهي تعمل على استعادة مكانتها العسكرية وهيبة الردع التي تحطمت على أيدي مقاتلي الحزب. وقد حدد نائب رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال موشيه كابلينسكي أهداف الخطة الجديدة على الشكل الآتي:
أولاً - تعزيز القوات البرية لتمكينها من السيطرة بسرعة على أرض المعركة عبر المناورة وسرعة الحركة.
ثانياً - تقوية الذراع الطويلة لقوات الجو والفضاء لتأمين السيطرة الجوية المطلقة.
ثالثا - تحسين التفوق النوعي للقوات البحرية وتعزيز سيطرة إسرائيل على سواحلها.
ويمكن تلخيص الاستنتاجات التي تم التوصل إليها في هذه الورشة بالتالي:
أولا- بالنسبة لهيكلية الجيش تركزت المداولات على ضرورة زيادة عديد الجيش الإسرائيلي، بدل تقليصه (كما كان مقرر سابقا) لصالح سلاحي المشاة والمدرعات. كذلك فإن المداولات تركزت على ضرورة إعادة تأهيل الجيش الإسرائيلي كي يستعيد جاهزيته التي كان فقدها، باعتياده على نمط المواجهات المحدودة في الضفة والقطاع.
ثانيا، بالنسبة لتسليح الجيش فقد أقر تعزيز الجيش بلوائين مدرعين، وتحديث سلاح الجو، وتحديث وتعزيز «منظومة الدفاع الصاروخي (متعدد الطبقات)، أي ضد صواريخ أرض ـ أرض بعيدة المدى من طراز سكاد، ولاعتراض الصواريخ متوسطة المدى، مثل «فجر» أو الصاروخ السوري من عيار 220 مليمتر، وضد الصواريخ قصيرة المدى. (عمير رافبورات معاريف 24 ؟ 8 - 2007).
ثالثا، في مراجعة العقيدة العسكرية الاستراتيجية فقد ركزت توصيات الورشة على ضرورة إيلاء أهمية كبيرة لحماية المدنيين في الحرب القادمة، وتجنيبهم خطر الضربات الصاروخية، وضرورة العمل من أجل تقصير أمد الحرب لأقل فترة ممكنة، من خلال استخدام القوة العسكرية والضربات المدمرة لحسم الحرب.
على ضوء كل ما تقدم فثمة أسئلة على غاية الأهمية تطرح نفسها، من مثل: إلى ماذا تعد إسرائيل جيشها؟ وما هي شكل الحرب الإسرائيلية القادمة ومداها؟ ثم ماذا عن الاستعدادات العربية المقابلة؟
ماجد كيالي