في دنيا السياسة، هناك المدرسة المعروفة باسم «ريال بوليتيك» وبديهي أنها تدل ـ من واقع لفظها بالانجليزية ـ على نهج الواقعية السياسية، وهو النهج الذي ينطلق من واقع الحقائق الماثلة على الأرض مهما كانت قسوتها وأيا كانت مرارتها.. وحسبه في هذا أن يواجه الحقيقة ويتعامل معها ويبني على أساسها.. وهو نهج أفضل بالطبع من رومانسية التعامل مع قضايا السياسة بمعنى التعلل بالأمنيات العذبة أو تمنية النفس بأن الأمور كفيلة بأن تتحسن أو أن الواقع يمكن يوما أن يتغير.. الرومانسية قد تصلح في علاقات البشر.. أو في دنيا العواطف مشبوبة كانت أو مستترة.. لكنها لا تصلح في عالم السياسة الذي يغلب عليه ـ كما هو معروف ـ منطق الأمر الواقع وأسلوب التعامل على البارد إن لم يكن منطق المكائد ونصب الشراك الخداعية.. وهو منطق الأحابيل والمؤامرات ممزوجا ـ كما قال يوما الداهية الفرنسي تاليران ـ بصنوف المداهنة والنفاق.
هذا النهج الغريب
ونحسب أن من مشاكلنا في عالم العروبة أن ثمة نهجا مستجدا وغريبا يبدو طافيا على سطح التعامل العربي مع الظواهر والقضايا السياسية التي تواجهنا. وإذا كان نهج الواقعية السياسية ـ ريال بوليتيك الذي ألمحنا إليه مفيدا في موضوعية تناول هذه القضايا مهما كانت قسوته، فإن ثمة نهجا مغايرا علينا أن ننبه إليه حيث نرصده وقد أطل برأسه بين سطورنا الإعلامية وسلوكنا السياسي على شتى المستويات:
قد تصلح في توصيفه أو تسميته العبارة التالية: كرنفال بوليتيك
وهو نهج الاحتفالية السياسية الذي يحيط القضايا والمشاكل ومبادرات القادة والساسة والزعماء بمظاهر الصخب والدعايات الزاعقة وقصائد المديح دع عنك تهنئة النفس على إنجازات يتصور الفرقاء أنها تحققت أو أنها بسبيلها إلى التحقيق!. تأمل مثلا تلك الاحتفاليات التي تم نصبها وتكريسها وصبغها بكل ألوان الطيف البراقة المبهجة إثر إعلان البيت الأميركي الأبيض عن زيارة الرئيس باراك أوباما إلى منطقة المشرق العربي وعن مباحثات التي أجراها مع القادة فضلا عن خطابه الذي وجهه إلى عالم العرب ودنيا المسلمين.
ومن الناحية المبدئية فإن كل هذه الخطوات إيجابية بكل معنى، وتتخذها القيادة الجديدة في الولايات المتحدة من منطلق رغبة رئيسها المثقف الشاب في فتح صفحات جديدة قد تكون واعدة مع شعوب العروبة والإسلام.
ليس بالشعارات وحدها
لكن منطق الاحتفاء بهذه الإيجابيات شيء، ومنطق الانسياق وراء سيل الدعايات ورفع الشعارات البراقة وتصور أن مجرد العبارات أو الخطابات هي المفتاح السحري لحل القضية ـ الجوهر، والمعضلة ـ الأساس في دنيا العروبة والإسلام شيء آخر.
هذه القضية هي على وجه التحديد تحمل العنوان المعروف التالي:
ـ الصراع العربي ـ الصهيوني
وعلى وجه أكثر تحديدا وأشد واقعية:
ـ الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية (المحتلة) في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس.
من هنا، ومهما كان تألق الاحتفالات التي صاحبت مبادرات السيد أوباما.. منذ الإعلان، مجرد الإعلان، وحتى تحولها إلى سلوك حقيقي، ومهما ارتفع مستوى الخطاب الأوبامي إلى مستوى بالغ الاحترام لشعوب العرب والمسلمين.. فلا ينبغي ـ بالنسبة للطرف العربي بالذات ـ أن تغيب عن باله أو تتوه من بنود أجندته «حقيقة» الدور الإسرائيلي البالغ السلبية إلى حد الخطر بل والتدمير بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط: آفاق مستقبلها وسلامة أجيالها.. من جراء نزعة الاحتلال ذي البعد الاستيطاني وهي نزعة مستمدة من قوانين حركة المشروع الصهيوني الذي يجسد نمطا ثلاثيا من السلوك وهو: العنصرية والتوسع والعدوان على نحو ما لخصه في إيجاز بليغ مثقف فلسطيني الأصل هو المفكر الراحل الدكتور فايز صايغ في يوم من الأيام.
دراسة أميركية مهمة
في ضوء ما سبق.. استرعى اهتمامنا الدراسة الموجزة التي نشرها مسؤول أميركي ظل من الضالعين في التعاطي لسنوات عديدة مع قضية الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني هو «ديفيد ميللر» الذي أمضى أكثر من 20 سنة معنيا بهذه القضية من موقع المحلل والمستشار في دوائر الخارجية الأميركية.. وقد صدرت الدراسة في مطبوعة أميركية معنية مهتمة بدورها بقضايا الفكر السياسي وهي مجلة «أميركان انترست» (عدد يونيه 2009) التي يشرف على تحريرها المفكر الأميركي المعروف «فرانسيس فوكوياما».
وليس صدفة أن يكون كاتب الدراسة التي نلمح إليها هو صاحب كتاب مهم أيضا أصدره في العام الماضي عن «سعي أميركا نحو سلام عربي ـ إسرائيلي» واصفا إياه بأنه سعي مراوغ بمعنى صعب ومحفوف بألف عقبة تعوق مسيرته عند كل معْلم على هذا الطريق.
تكاد الدراسة تشكل رسالة موجهة إلى الرئيس أوباما حسين لتقول إن سلفه جورج بوش وإدارته أرادا شرق أوسط جديدا وكان لهما ما أراداه.. ولكنه جاء شرق أوسط أسوأ وأصعب من سابقه وبمراحل كثيرة.
صحيح أن إدارة بوش رفعت شعار خارطة الطريق وتبنّت حل الدولتين: فلسطينية وإسرائيلية تتعايشان جنبا إلى جنب.. لكن المشكلة أن جرفتها شعارات الحرب (الكونية) على الإرهاب. وبعدها خاضت الحرب أفغانستان والعراق فلم تكد تحقق شيئا مذكورا.
انقسامات في المعسكرين
تشير الدراسة أيضا إلى مشاكل المعسكرين المتضادين ما بين انقسامات فتح.. والسلطة وحماس وأجنحة فلسطينية أخرى (قارن وحدة القيادة تحت المرحوم ياسر عرفات.. وقارن أيضا شكيمة الانتفاضة بكل تأثيرها الداخلي.. الإقليمي ـ العالمي). هناك أيضا ما تصفه الدراسة الأميركية بأنه أزمة القيادة داخل إسرائيل ذاتها حيث آلت مقاليد الأمور من أيدي جيل مؤسسي المشروع (يقصد بالطبع المشروع الصهيوني) إلى جيل رؤساء الوزراء الأكثر استضعافا وأدنى كفاءة لدرجة أن تولّى 3 منهم مقاليد الأمور (باراك ـ أولمرت ـ نتانياهو) رئاسة الوزارة في غضون 12 عاما لا تزيد.. وبلغ من استضعاف إداراتهم أن زادت شوكة المستوطنين (الصهاينة) واستشرى نفوذهم، ومن ثم وقع تحت ضغوطهم ساسة إسرائيل طمعا في أصواتهم في الانتخابات مما أدى إلى استشراء (سرطان) الاستيطان ونشأت بسببه مشكلة كيفية التعامل مع أوضاع الضفة الغربية والقدس.
هي نفس الأوضاع التي أفضت ـ كما يشير المحلل الأميركي ـ إلى زيادة نفوذ قوى/ عناصر اللا دولة (Non State Actors) كما أصبحت تسمى في المصطلح السياسي.. وهو يحددها بأنها حزب الله وحماس على الجانب العربي، وقيادات حركة الاستيطان الصهيوني في الضفة والقدس على الجانب الإسرائيلي وهو الأمر الذي يستوجب إبداع أساليب مبتكرة وغير تقليدية في التعامل مع هذه القوى المستجدة على الساحة بكل نفوذها وقدراتها وتأثيرها على الجماهير.
دور واشنطون.. وسيطا
على الجبهة الأميركية تشدد الدراسة على أهمية تفعيل دور واشنطون على هذه الرقعة المتقاطعة من شطرنج الصراع الطويل في منطقة الشرق الأوسط. تعترف الدراسة بعواقب اختفاء جيل من القادة الكبار من أصحاب القرار على جانبي الصراع.. وتسوق في هذا المضمار أسماء شتى ـ ما بين السادات إلى بيجين وما بين عرفات والملك حسين إلى رابين.. وإذا كان الواقع ـ ريال بوليتيك كما قد نكرر ـ قد فرض وجود قيادات أقل قدرة فإن نفس الواقع يفرض أن يتحلى الوسيط (الأميركي في هذه الحالة) بمزيد من المهارة في التوسط، والمزيد من الصبر والإصرار على التماس الحلول.. وهي بحكم التعريف حلول تضفي عليها الدراسة الأميركية اثنين من الصفات المتناقضة كما نراها: المرغوب.. والممكن بمعنى ما قد يرنو إليه الطرف المعني.. ولكن الواقع يفرض عليه ما يطيقه أو يتحمل وطأته وهو القانون الذي تفرضه أي تسوية في عالم الحلول «الوسط» القائم على قاعدة التوازن المرهف ـ المؤلم أحيانا ـ بين القوى والفعاليات.
من هنا يعمد السياسي الأميركي إلى وصف ثالث يخلعه على الحل المرتقب لقضية الصراع الشرق أوسطي وهو: أن يكون حلا عمليا ـ قابلا للتنفيذ.
لا يفوته في هذا السياق أن يشير إلى مبادرة القمة العربية لعام 2002 التي رسمت سبيل المبادلة المعروفة باسم الأرض (الانسحاب) مقابل السلام (للكيان الإسرائيلي).
وفي معرض آليات الوساطة الأميركية بين الطرفين يشير إلى أهمية الشخصيات وفعالية الوسطاء وهو ما نوافقه عليه من منطلق متابعتنا الطويلة لمجريات السياسة الأميركية.. فليس صحيحا، على نحو ما قد يتردد في أدبيات السياسة العربية أن رئيس الدولة في البيت الأبيض لا يكاد يملك كثيرا من مساحة القرار.. على أساس إطلاق التعميم القائل إن أميركا دولة مؤسسات. والصحيح ـ كما نتصوره ونؤكده ـ هو مع وجود المؤسسات في الواقع السياسي الأميركي فثمة فضاءات واسعة لحرية الحركة وصنع القرار وكفاءة المناورة لدى رئيس الدولة وأطقم معاونيه.. والمعنى أن تغيّر الشخصيات يترجم نفسه إلى تغير المواقف وتبدل السياسات، وأحيانا الاستراتيجيات..
وعلى سبيل المثال لولا شخصية ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته كيسنجر لما تحوّل مسار العلاقات بين واشنطون والصين بعد أكثر من ربع قرن من الحواجز السياسية والدبلوماسية إلى حيث كان الاعتراف وبدء العلاقات بين واشنطون وبكين.. التي ما لبثت أن تطورت إلى حيث أصبحت الصين أكبر دائن لأميركا في العصر الحديث.
الشخصيات والمؤسسات
نفس موقفنا يتبناه المحلل الأميركي صاحب الدراسة حين ينّبه إلى أهمية معدن الشخصيات التي لابد وأن تسند إليها أدوار الوساطة في خضم هذا الصراع. وفي رأيه أنه: ما كان سيحدث فصل القوات بين إسرائيل وكل من سورية ومصر لولا شخصية كيسنجر، وما كانت تبرم اتفاقات كامب ديفيد (إياها) لولا شخصية كارتر، وما كان يعقد مؤتمر مدريد ومن ثم قيام السلطة الفلسطينية لولا شخصية جيمس بيكر (وزير الخارجية المقتدر في إدارة الرئيس بوش ـ الأب).
مرة أخرى تشدد الدراسة على أهمية الدور الأميركي كطرف موثوق ومحترم ومؤثر ومقبول وهو دور لا يراه المفكر الأميركي مقتصرا على دور الوساطة وكفى بل سوف يتعدى إلى دور التنسيق في مجال تنفيذ الاتفاقات بين الطرفين.
ومن ناحيتنا فإن الطرف العربي الذي ننتمي إليه لا بد وأن يقلع عن اتباع سياسة كرنفال بوليتيك التي تحتفل قبل أن تنجز، وتكتفي بالوعود الخلابة قبل أن ترى ترجمة لهذه الوعود على أرض الواقع مهما كانت وعورة الأرض أو قسوة الواقع.
أما عن الطرف الآخر، فيكفي دعوة صاحب الدراسة إلى أن تحقق وتثبت أميركا جدارتها بالثقة من خلال سلوك جوهري يعبّر عنه بالحرف الواحد قائلا: لقد فقدنا قدرتنا على أن نكون مستقلين عن الإسرائيليين، حتى نكون أمناء في التعامل معهم فنرفض ما يفعلون أو لكي نحافظ على المرونة اللازمة لممارسة عملية تفاوض يكون لها نصيب من النجاح.
بقلم: محمد الخولي