بقدر ما حاول الرئيس الأميركي باراك أوباما منذ توليه الرئاسة أن يميز نفسه وحكمه عن إدارة سلفه الرئيس جورج دبليو بوش، فإنه في خطابه الذي ألقاه في جامعة القاهرة يوم الخميس الرابع من يونيو الجاري، حرص على تأكيد استمرار ثوابت السياسة الأميركية تجاه المنطقة، ما شكل تواصلا جبريا بينه وبين غيره من الرؤساء السابقين بمن فيهم بوش.
وكشف الخطاب مدى محدودية الحرية التي يتمتع بها الرئيس في إطار المؤسسة الأميركية، تلك التي تدير شؤون البلاد، بغض النظر عمن يسكن البيت الأبيض. لكن الفارق بين أوباما وأسلافه كان ذاتيا، في كاريزميته التي تتجلى دوما في بلاغته في الحديث ومهارته في التخاطب، وفي بساطته وملامحه. وهذا العنصر الشخصي، وهو عال لدينا نحن العرب والمسلمين في تقييم معظم الأمور، نظرا لسيطرة ثقافة الشخصنة على حياتنا، هو ما حجب كثيرا من حقيقة المشهد منذ البداية وحتى نهايته.
ولا تزال هذه الروح حاضرة في تعامل كثيرين مع الرجل، مما يسقط عنا وعنه كثيرا من المعايير الموضوعية في التعامل مع مستجدات مصيرية، تستحق نظرة اكثر موضوعية وعقلانية، من غير تبسيط لحدث جلل، يعتقد انه أوسع عملية (احتيال سياسي) من جانب الولايات المتحدة تجاه العرب والمسلمين، منذ زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى القدس في نوفمبر1977.
في خطابه تناول الرئيس الأميركي باراك أوباما سبع قضايا، وصفها بأنها مصادر التوتر، في العلاقات الإسلامية الأميركية، وحددها هو وفق أولويات السياسة الأميركية وليس وفق الأولوية الإسلامية. وهذه القضايا هي: (1) التطرف العنيف (2) الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربي (3) السلاح النووي (4) الديمقراطية (5) الحرية الدينية (6) حقوق المرأة (7) التنمية الاقتصادية وتنمية الفرص.
التطرف وفلسطين والنووي
في القضايا الثلاث الأولى لم يقدم الرئيس أوباما أي تنازل فيها، باعتبارها من ثوابت السياسة الأميركية، واقتصر التغيير على التكتيكات والصياغة. وفيما يتعلق بالقضية الاولى، وهي التطرف، لم يستخدم الرئيس الاميركي مصطلح (الإرهاب) الذي درج عليه سلفه طوال ثماني سنوات، واستخدم بدلا منه مصطلح (التطرف)، مبديا التزامه بمحاربته، في تأكيد على استمرارية السياسة الأميركية، وحصر حربه في المتطرفين وحدهم، في تجديد لالتزامه الذي قطعه على نفسه منذ توليه الرئاسة بأن أميركا ليست في حالة حرب مع العالم الإسلامي، وانما مع التطرف وحده لأن (الإسلام ليس جزءا من المشكلة المتلخصة في مكافحة التطرف العنيف، وانما يجب ان يكون جزءا من حل هذه المشكلة)، وهو في ذلك على خلاف بوش الذي كان يعتبر العالم الإسلامي كله ساحة حرب. وفي سياق هذه القضية تطرق لحربي أفغانستان والعراق، متمسكا بالمضي في الحرب الأولى ضد تنظيم القاعدة، ومعترفا بالخطأ في خوض الثانية، وجدد تمسكه بالانسحاب من العراق، وبعدم وجود أطماع لأميركا فيه.
وفيما يتعلق بالقضية الثانية، وهي الوضع بين الإسرائيليين والفلسطينين والعالم العربي، فقد تحدث عن معاناة اليهود والفلسطينيين، متناولا بشيء من التفصيل أشكال الاضطهاد والظلم التي تعرض لها اليهود، فيما لم يتحدث بذات التفصيل عن أوجه الاضطهاد والمعاناة التي يتعرض لها الفلسطينيون على يد اسرائيل، معلنا تمسك الولايات المتحدة بحل الدولتين، من دون تقديم تفاصيل، ومطالبا العرب بمزيد من التحرك نحو السلام معتبرا مبادرة السلام العربية غير كافية، في تلميح إلى المطالبة بمزيد من التنازلات نحو إسرائيل، التي لم يطالبها بشيء من ذلك.
وهذه كلها مواقف أميركية قديمة، فيما كان الجديد ينحصر في بعض الاعتراف الخجول بدور حركة حماس كلاعب أصيل وفعال في الساحة الفلسطينية، في إشارة لإمكانية التعامل معها إذا التزمت بالشروط الأميركية الثابتة، وهي الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات المبرمة معها والتخلي عن المقاومة المسلحة. وكان الجديد أيضا في دعوته اعتبار (مدينة القدس وطنا لليهود والمسيحيين والمسلمين)، وهذا الطرح مثل عنصر المفاجأة في كامل الخطاب.
وفي القضية الثالثة الخاصة بالسلاح النووي، خص الرئيس الأميركي بالذكر المشروع النووي الايراني، واستعرض مراحل التوتر في العلاقلات الايرانية الأميركية، داعيا إلى علاقات بين الدولتين تقوم على الاحترام المتبادل، ومؤكدا حق الدول في امتلاك الطاقة النووية السلمية، من دون السعي إلى السلاح النووي. وهذا الموقف ليس فيه أي جديد.
قضايا نسبية
وتعد القضايا الأربع الأخرى التي وردت في الخطاب قضايا غير معيارية، بل نسبية في العلاقات بين أميركا والعالم الإسلامي، وهي (الديمقراطية ـ الحرية الدينية ـ حقوق المرأة ـ التنمية الاقتصادية وتنمية الفرص)، وربما تم تضمينها في الخطاب لإرضاء جماعات الضغط هنا أو هناك. فالديمقراطية التي دعت اليها الإدارة السابقة وحاولت فرضها بالقوة تخلت عنها نهائيا قبل رحيلها. وقد اكتفى أوباما عند الحديث عنها بتقديم النصائح لدول وحكومات وشعوب العالم الإسلامي. أما الحريات الدينية فلم تخرج عن إطار الدعوات الأميركية السابقة، وبعض ماجاء من ذكر صريح لحالات بعينها مثل الأقباط في مصر والموارنة في لبنان، جاء ضمن أجندة تخدم المصالح الأميركية، بأكثر مما تخدم المصالح العربية الإسلامية، بل انه عندما ذكر (العنف المأساوي) بين السنة والشيعة تجاهل تماما دور الاحتلال الأميركي للعراق في إدماء العلاقة بين أبناء المذهبين.
وما جاء في قضية حقوق المرأة يمكن ادراجه ضمن الرؤية الأميركية للديمقراطية والحريات الدينية، حيث دعا إلى التمسك بحق المرأة في المساواة. وفي اختيار زيها الديني، متعهدا بتأسيس (شراكة لدعم وتوسيع برامج محو الأمية للفتيات، ومساعدتهن على السعي في سبيل العمل عن طريق توفير التمويل الأساسي الذي يساعد الناس على تحقيق أحلامهم). وفي هذه النقطة تبرز العديد من التساؤلات حول المساعي التي جرت وتجري في بلدان عربية واسلامية بشأن اعداد قوانين لتمكين المرأة إلى البرلمان عبر الكوتا الانتخابية.
وفي القضية السابعة والأخيرة، حيث التنمية الاقتصادية وتنمية الفرص، جدد أوباما ما سبق وطرحه الرئيس السابق جورج دبليو بوش في إطار المشروع الشرق أوسطي، بشأن إقامة شراكات اقتصادية وتعليمية وتكنولوجية علمية وطبية، واستحداث فرص عمل، لكن هذه المرة مع العالم الإسلامي وليس في المنطقة العربية فقط.
حالة إبهار
لم تكن هذه القضايا السبع وحدها هي التي وصلت إلى العرب المسلمين، حيث تم الدفع بمعان كثيرة أخرى في مشهد حفل بكثير من الإبهار، فظهر مسرح جامعة القاهرة براقا متلألئا، بما يفوق قدرة أكثر العيون حدة على النظر طويلا إلى الأضواء، فرئيس الولايات المتحدة الأميركية، أكبر دولة في العالم، يأتي إلى ديار المسلمين يخاطبهم ويطلب ودهم، في سابقة لم تعتدها الشعوب العربية والإسلامية حتى من حكامها، على الرغم من حالة الضعف التي تعتري الأمتين العربية والإسلامية. وأمام هذه الفروسية الأوبامية التوت أعناق وغابت عقول بعض الوقت عن تركيزها. ولاعجب في ذلك فقد تلقى أكثر العرب والمسلمين الخطاب من موقع استصغار الذات. وساعد على ذلك أن الرجل يأتي بعد رئيس جاهل متعجرف شن حروبا من الكراهية ضد الإسلام والمسلمين على مدى ثماني سنوات. وهذه الخبرة تجاه جورج دبليو بوش هي التي مهدت الطريق وأفسحته أمام أوباما، الذي جاء في ثوب مختلف تماما عن سلفه.
طوال الخطاب حرص أوباما على مخاطبة المسلمين كواحد منهم، فهو كما تحدث عن نفسه في خطابه، ابن لأب مسلم، عاش مع المسلمين في أندونيسيا وتأثر بهم، (كان والدي من أسرة كينية تشمل أجيالا من المسلمين، ولما كنت صبيا قضيت عدة سنوات في أندونيسيا، واستمعت إلى الأذان ساعات الفجر والمغرب)، وتحدث عن معرفته بالإسلام وتعلم حضارته وتاريخه، ومن أجل ذلك اعترف بدوره في ريادة العالم (إنني أدرك بحكم دراستي للتاريخ أن الحضارة مدينة للإسلام). كما حرص على تقديم الولايات المتحدة الأميركية كدولة تنتسب إلى الاسلام من خلال الحديث عن العلاقات الأميركية الإسلامية بداية من اعتراف المغرب بها إلى توقيع الرئيس جون أدامز على معاهدة طرابلس عام 1796، وصولا إلى دور المسلمين في تأسيس النهضة الأميركية (إن الاسلام جزء لايتجزأ من أميركا).
وفي ظل هذه المعطيات الشخصية، لم يكن مستغربا استشهاد أوباما بآيات من القرآن الكريم لثلاث مرات، بل انه حرص على تجييش المشاعر الإسلامية ضد تنظيم القاعدة استنادا إلى حكم القرآن في قتل النفس، وكأنه أراد أن يقيم الحجة على تنظيم القاعدة بالقرآن، وذلك في إطار مساعيه لعزله عن محيطه الإسلامي، سعيا لمحاصرته والانفراد به في اطار الحرب الأميركية ضده. ومن أجل ذلك أيضا استخدم مصطلح (التطرف) وليس (الإرهاب) اعتمادا على المعايير والأحكام والتعاريف الإسلامية، ليصقل حججه وأدلته. ف(التطرف) مصطلح فقهي اسلامي معاصر يوصم به كل من يبتعد عن صحيح الدين، بينما (الإرهاب) مصطلح سياسي، هلامي المضمون فضفاض التفسير، ينظر إليه المسلمون بارتياب.
تناقضات في الخطاب
وفي الوقت الذي حرص فيه أوباما على التأصيل لقضية التطرف من المنظور الإسلامي، فإنه فعل غير ذلك في تناوله قضية الصراع العربي الإسرائيلي، اذ تعمد إبعادها عن جوهرها الإسلامي، بل أعطاها بعدا دينيا عالميا أدخل فيه اليهود والمسيحيين والمسلمين، ولم يستشهد مطلقا بأحكام القرآن في مثل هذا الصراع، وفلسطين في حكم الاسلام وقف لايجوز التنازل عنه، بل انه عندما لجأ إلى قصة الإسراء والمعراج ليستشهد بها ويدلل على حقوق أصحاب الديانات الثلاث في القدس الشريف، حرف القصة عن جوهرها الإسلامي، لأن صلاة سيدنا موسى عليه السلام وسيدنا عيسى عليه السلام مع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت تحت إمامته لهما مع جميع الأنبياء، اعترافا منهم بالإسلام دينا لهم ولأتباعهم أيضا، ما يعطي الاسلام وحده حق الولاية على القدس، ومن ثم فإن الاستشهاد لم يكن متفقا مع صحيح التفسير الإسلامي، وانما تم استحضاره برؤية أميركية مغايرة، لتبرير الدعوة إلى تدويل القدس بين المسلمين والمسيحيين واليهود.
ولم يكن هذا هو التناقض الوحيد في خطاب أوباما، فالرجل الذي تحدث عن التقاء المسلمين والولايات المتحدة على (قواسم ومبادئ مشتركة).. (ألا وهي مباديء العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان) استكثر على الفلسطينيين الدفاع عن أنفسهم وحقوقهم عبر المقاومة المسلحة، ودعاهم إلى التخلي عن السلاح، ومذكرا إياهم بكفاح السود في أميركا وجنوب افريقيا وبماضي أميركا، مع أن المقاومة والدفاع عن النفس حقان مشروعان في كل الأديان والقوانين الدولية، بل ان الولايات المتحدة نفسها تأسست وتحررت بعد حروب طويلة ودامية مع المستعمر البريطاني، حتى أنه في الوقت ذاته أعطى نفسه حق استخدام القوة في أفغانستان للدفاع عن مصالح بلاده، وفوق ذلك لم يطالب إسرائيل بما طالب به الفلسطينيين، من حيث التخلي عن استخدام القوة العسكرية، فلم يطالبها مثلا بحل جيشها أو التعامل مع الفلسطينين سلميا. ويمثل ذلك التصور الأميركي خطرا على الدولة الفلسطينية المقترحة، لأنها وفقا له قد تكون منزوعة السلاح.
لا مجال للنقاش
ومن جملة التناقضات التي جاء بها الرئيس الاميركي أنه في الوقت الذي تحدث فيه عن الحوار وعن التقارب، قطع كل إمكانات الحوار، فيما يتعلق بالقضيتين الخلافيتين الأساسيتين بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة، ففي قضية التطرف ذكر وهو ويتحدث عن أحداث سبتمبر (ما أقوله ليس بآراء قابلة للنقاش، وإنما هي حقائق يجب معالجتها)، وذلك على الرغم من أن هذه الأحداث لاتزال محل خلاف عالميا من حيث الفاعل الحقيقي والمعاون على تمريرها، بل ان بعض الروايات تتهم صراحة أجهزة أميركية بالضلوع فيها، فكيف تؤخذ الأمور كحقائق لا تقبل النقاش، وإذا كان الأمر كذلك فلم تطالب أميركا المسلمين بفتح صفحة جديدة؟ وتكرر ذلك مرة أخرى وهو يتحدث عن العلاقة بين والولايات المتحدة وإسرائيل، بقوله (إن متانة الأواصر الرابطة بين أميركا وإسرائيل معروفة على نطاق واسع. ولا يمكن قطع هذه الأواصر أبدا، وهي تستند إلى علاقات ثقافية وتاريخية)، وكأنه يطالب العرب والمسلمين بالاستسلام لهذه العلاقة وعدم التطلع إلى تغييرها. وهو في ذات الوقت يطالب المسلمين بالتنازل عن القدس من أجل تدويلها، ويطالب الفلسطينيين بالتخلي عن سلاحهم. فكيف لاتتنازل أميركا عن بعض سياساتها بينما تطالب المسلمين بالتنازل عن ثوابتهم وعن مقدساتهم؟ والأغرب أنه بعد ذلك يطالب العرب والمسلمين بالمشاركة مع الولايات المتحدة في محاربة المتطرفين منهم، من دون التطرق إلى أن التطرف أنتجته السياسات الأميركية العدوانية المعادية لحقوق العرب والمسلمين، وبصفة خاصة في فلسطين. وهكذا يريد الرئيس الاميركي من المسلمين ان يشتروا بضاعته من غير نقاش، ومن دون اختبار لمدى صلاحية هذه البضاعة.
إن مثل هذه الطروحات ـ ولو كانت أوبامية هادئة ومعسولة - هي التي أساءت إلى العلاقات بين المسلمين والولايات المتحدة على مدى ستين عاما، يوم اعترفت أميركا بإسرائيل وساندتها ضد العرب والمسلمين كلهم. ولذا فمن الخطأ ـ على أي نحو ـ اعتبار السياسة الأميركية المعادية، بدأت فقط بعد أحداث سبتمبر، أو ربطها فقط بقترة حكم الرئيس بوش الابن، فأين ذهب انحياز ليندون جونسون لإسرائيل في حرب يونيو 1967؟ وأين ذهب انحياز جيمي كارتر لها في كامب ديفيد؟ وهل يمكن نسيان مساندة رونالد ريغان لها في حروبها ضد لبنان؟. هذه التواريخ لايمكن نسيانها بسهولة، لأنها كتبت بالدم العربي الإسلامي المستباح.
وليس من الحكمة أيضا أن يسلم المسلمون عقولهم للرئيس باراك حسين أوباما، ابن اخيهم الكيني المسلم في قضية السلاح النووي، لأنه لم يتفوه بكلمة واحدة حول السلاح النووي الإسرائيلي، بينما قصر حديثه عن النووي الإيراني، ولو كان منصفا وعادلا لدعا إسرائيل صراحة إلى التخلي عن أسلحتها النووية، بحكم ما يعلمه وفق منصبه من معلومات مؤكدة عما تمتلكه إسرائيل، وهو يزيد على المئتي قنبلة.
تحسين الصورة
إذا كان الرئيس أوباما قد استهدف من خطابه أن يحسن وجه أميركا كما أراد فقد تحقق له بعض ذلك، إلى حين. وإذا كان أراد صرف الشباب المسلم عن تنظيم القاعدة، فذلك تحقق منذ سنوات بفعل الوعي لدى الشباب. ولكن كل تلك الثمار قد تفسد بدون انتفاع، مالم يصحب القول العمل. فالشعوب العربية والإسلامية تملك وعيا سياسيا تولد من رحم المعاناة والتجارب. والكرة الآن في الملعب الأميركي، كي ينفذ الرئيس ماوعد به، خاصة على الصعيد الفلسطيني، قضية العرب والمسلمين المركزية. فالملاحظ أنه بينما يقدم الرئيس أوباما معسول الكلام للعرب والمسلمين فإنه يقرن الأقوال بالأفعال مع إسرائيل. ففي اليوم التالي لخطابه في القاهرة ذهب إلى ألمانيا وزار معسكر بوخنفالد الذي يقال انه شهد الجانب الأكبر من الاضطهاد اليهودي، وهو في ذلك عزز بالأفعال ماتحدث به عن معاناة اليهود بالأقوال. وذلك ليس مصادفة، فالتوقيت مستهدف ومدروس جيدا بين زيارة القاهرة وزيارة ألمانيا. وزاد على ذلك أنه دعا العرب من ألمانيا إلى تقديم تنازلات لإسرائيل. وكأن عليهم وحدهم أن يظلوا يدفعون ثمن الجرائم التي ارتكبتها المانيا بحق اليهود، وثمن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحقهم كل يوم.
إذا كان هذا ما انتهى اليه الرئيس أوباما، فإن من الغفلة العربية والإسلامية أن يمر الخطاب بلا دراسة وتمحيص من جانب كافة الدول والهيئات والمؤسسات العربية والاسلامية الرسمية والشعبية، لأن التجربة التاريخية لم تكن دوما في صالح مبادئ (العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل إنسان)، التي تحدث عنها أوباما في مستهل خطابه.
إضاءة
في خطابه أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى معاهدة طرابلس 1796. وهذه المعاهدة تعد الأولى من نوعها بين الولايات المتحدة ودولة عربية هي ليبيا، وقد وقعت يوم 4 نوفمبر 1796 في الجزائر التي كانت الطرف الثالث بصفتها شاهدة عليها. وتم تصديق مجلس الشيوخ الأميركي عليها في 7 يونيو 1797، ووقع عليها الرئيس جون أدامس في 10 يونيو 1797. وفي المعاهدة أقرت الولايات المتحدة نزولا على رغبة يوسف باشا القرمانلي حاكم ليبيا أنها لا تعادي الإسلام، ولاتكن للمسلمين أي عداء، وذلك مقابل السماح لها بالمرور الآمن في البحر المتوسط والتزامها بدفع الجزية إلى ليبيا مقابل حمايتها لسفنها من القراصنة
أحمد الكناني