فرض الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك اوباما من جامعة القاهرة مخاطباً من خلاله العالم الإسلامي حالة واسعة من الجدل في العالمين العربي والإسلامي بين متفائل ومتشائم ومتفائل حذر وترقب تفسر إلى حد بعيد حجم الأزمة التي يعيشها العالم الإسلامي والانقسام بل والشقاق الذي وصل في كثير من الأحيان إلى حد الاقتتال.
جاء خطاب أوباما ليضع الكثير من علامات الاستفهام ربما زادت أكثر من مساحة الغموض التي تسيطر على طبيعة العلاقات الإسلامية - العربية مع الولايات المتحدة الأميركية. وعلى الرغم من حالة التفاؤل التي قوبل بها خطاب باراك أوباما، إلا أن هذا لم يمنع من أن هناك العديد من الانتقادات وعلامات الاستفهام حول ذلك الخطاب، الأمر الذي دفع البعض للقول إن أوباما أكثر خطرا على الإسلام من سلفه جورج بوش مدللا على ذلك، أن بوش كان يقدم السم للمسلمين والعرب وهم يعرفون أنه سم أما أوباما فهو يقدم لهم السم على هيئة العسل، وهذا هو مكمن خطورة السياسة التي ينتهجها أوباما والتي يخدع بها كثيرا من العرب والمسلمين.
إنصاف للحضارة الإسلامية
في البداية، وصف الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الأزهر خطاب أوباما بأنه بمثابة الإنصاف للحضارة الإسلامية ومكسب للمسلمين، وقال «إن موقفه من الصراعات كان محمودا في الرد على ما اتهم به الإسلام في السنوات السابقة»، مضيفا أن الطروحات التي أوردها خطابه تبدو جيدة ومعقولة جدا، ولا ينقصها غير التنفيذ، قائلا «نحن لن نستطيع أن نحمل الأمور أكثر مما سمعنا من أوباما».
وقال «إن خطاب أوباما المليء بالشعور بالسلام، لابد وأن يقابل بيد ممدودة للسلام من جانب المسلمين، إذا كان العالم الإسلامي جادا في تحسين الصورة المغلوطة التي انطبعت عنه في أذهان الغرب».
أما الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير حسام ذكي، فقد أثنى كثيرا على الزيارة وأوضح أن الرئيس الأميركي يدرك أن هناك مشكلة بين بلاده وبين العالم الإسلامي ولديه نية خالصة لإصلاح ذلك، بالإضافة إلى احترامه للإسلام.
ولفت إلى أن أوباما حاول أن يحدث توازنا بين علاقة أميركا مع إسرائيل وأهداف أوباما في تحسين العلاقة مع العالم الإسلامي، بحيث لا يضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات، ولا يغفل في الوقت نفسه مطالب العرب.
الأقباط ليسوا أقلية
ورفض زكي ما جاء في خطاب أوباما حول الأقباط في مصر واعتبارهم أقلية ومساواتهم بالموارنة في لبنان، مشددا على أنه لا يوجد أي وجه للشبه في الحالتين وأن الأقباط في مصر هم جزء أصيل من النسيج الوطني وأنه لا يوجد أي فرق بين مسلم وقبطي فكلاهما شركاء في هذا الوطن.
وبدوره، أكد نائب رئيس المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان الدكتور أحمد كمال أبو المجد أن خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما خطاب جيد ويكشف نوايا محددة من الصعب عليه أن يسير في غير اتجاهها، مشددًا على ضرورة الاستفادة من ذلك الخطاب وتدعيمه من قبل شعوب المنطقة العربية.
وطالب الشعوب والحكومات العربية والإسلامية بالعمل على دعم هذا الخطاب من خلال التعاون مع المنظمات، خاصة فيما يتعلق بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة دولة مستقلة، مشيدا بدعوته لوقف بناء المستوطنات.
وقال أبو المجد «إن أخطر ما يواجه ما طرحه أوباما حول القضية الفلسطينية هو الجناح اليميني المتطرف الإرهابي الذي يحكم إسرائيل الآن»، مشيرا إلى أن الرأي العام بدأ يضيق بالممارسات الإسرائيلية ضد العرب وعلينا أن نعمل على إثارة ذلك في جميع المحافل الدولية وعدم البقاء في حالة سكون.
وحول وصف أوباما بالجهل لمن يشكك في الهولوكوست، والذي راح ضحيته الملايين من الإسرائيليين في عهد هتلر النازي، قال أبو المجد «إن أوباما عبر عن موقف مؤسسة الرئاسة الأميركية»، معتبرا أنه لا يستطيع قول غير ذلك في تلك المرحلة ملتزما بأمن إسرائيل، التي تتابع الخطاب عن كثب وقلق.
سلبيات وإيجابيات
ومن جانبه، وصف رئيس الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري «البرلمان»، وأحد الذين حضروا الخطاب من جماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد سعد الكتاتني، خطاب أوباما بأنه سلبي وإيجابي في ذات الوقت.
وأوضح أن سلبية خطاب أوباما تتمثل فيما أشار إليه من أن التيارات الدينية تستخدم الديمقراطية للوصول للحكم، ثم تتنكر لها، معتبرا ذلك محاكمة للنوايا التي يجب أن تظهر بالتجربة لا بالاعتقاد والتخمين، مضيفا أنه لا يجب الحكم على الأديان، سواء كان الدين إسلاميًا أو مسيحيًا أو غير ذلك، إلا بالتجربة الحية.
وانتقد الكتاتني كذلك ما اعتبره دعما غير محدود لإسرائيل وقال «إنه من الواضح تماماً من حديث أوباما عن القضية الفلسطينية عندما أشار إلى أن لليهود حقوقًا تاريخية ودينية في فلسطين، وعندما وصف المقاومة الفلسطينية بالعنف ولم يقم بالحديث عن معاناة الفلسطينيين وغزة والدمار الذي لحق بها، وما نراه على أيدي اليهود»، مؤكداً ان ذلك الكلام يعني أن العلاقة بين أميركا واليهود لن تنكسر.
أما عن النواحي الإيجابية من وجهة نظره في خطاب أوباما، فيرى الكتاتني أنها تتمثل في دعوة شعوب العالم أجمع إلى العمل بغض النظر عن الأديان والانتماءات، والارتقاء بالإنسان وصالح البشرية، إلى جانب الحديث عن الانسحاب من العراق، والقول إن أميركا ليست في عداء مع الإسلام، وإن كان الكتاتني إستدرك قائلا «إن هذه الأمور تحتاج إلى ترجمة واقعية».
كلمات مختارة بعناية
أما رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية وسفير مصر الأسبق بالولايات المتحدة الأميركية السفير عبد الرؤوف الريدي، فقد أكد على أن خطاب أوباما تضمن شقين مهمين للغاية، الأول يتعلق بمخاطبة العالم الإسلامي، واختار فيه أوباما كلماته بعناية وبدقة ونجح في إظهار احترامه للإسلام والعالم الإسلامي وتفهمه للمعاني الحقيقية للدين.
وأضاف «أن ذلك ظهر ليس فقط في تأكيده على الاحترام المتبادل، بل وفي حديثه عن المجتمع المسلم في الولايات المتحدة، وأنه لا يمكن التفريق بينه وبين باقي المجتمع الأميركي».
وتابع الريدي قائلا «أما فيما يتعلق بالشق الثاني فقد برز من خلال حديث أوباما عن القضايا السياسية التي رآها مناسبة للخطاب مثل العراق وأفغانستان في عبارات عامة، وفى إطار تعاون وليس مواجهة وحديثه كذلك عن عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط».
وشدد على ضرورة متابعة الأمر بخطط وآليات تنفيذية عملية، فالإشارات العامة التي قدمها أوباما بالخطاب إيجابية لكنها تحتاج إلى تنفيذ، مشيراً إلى أن حديث أوباما عن المعنى الحقيقي للديمقراطية بأنه ليس في الانتخابات فقط ولكن في علاقة الشعب والحكومة يعد كلاما منطقيا.
ومن ناحيته، أكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عماد جاد أن أوباما أثبت أن لدينا رئيسا أميركيا ينتمي إلى فكر تحالف الحضارات وأن الدول العظمى لن تفرض قيمها وثقافاتها على العالم خاصة العالم الإسلامي، مشيرا إلى أن الخطاب جاء حسب المتوقع فيما عدا الذين كانوا يبالغون في التوقع.
وقال «إن خطاب أوباما كان متوازنا في طرحه للقضية الفلسطينية والإسرائيلية، وقال لو لم يؤكد أوباما على العلاقة الوثيقة مع إسرائيل ومعاناتهم في الهولوكست لما صدقناه لأن الدعم الأميركي لإسرائيل أمر مؤسسي لا يرتبط برئيس بعينه».
وأشار إلى أن أوباما جمع أفكاراً متناثرة حول السلام في خطابه، بدءاً من مسألة حل الدولتين واختيار القدس الشرقية عاصمة لفلسطين، فضلاً عن طرح مسألة تدويل الأماكن المقدسة وهو أمر مرفوض تماماً من قبل المجتمع الإسرائيلي.
توازن نسبي
وحذر جاد من أن أوباما سيكون ضحية المتطرفين في الدوائر المتشددة واليمينية بسبب خطابه، مشيراً إلى انتقاد حماس لحديثه عن أهمية اعترافها بإسرائيل واتفاقيات السلام المبرمة معها ومنها أوسلو، فضلاً عن اليمين الإسرائيلي الذي اتهمه بمعاداة السامية، لأنه يرفض توسيع المستوطنات ويطالب بوقف بنائها، بالإضافة إلى انتقاد اليمين الأميركي له لأنه لم يعط مشكلة الديمقراطية وحقوق الإنسان حقها.
ولفت إلى أنه يعتبر أول رئيس أميركي يتكلم عن معاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويقدم رؤية عملية قائمة على حلول وسط للتسوية، مؤكداً أن خطابه كان مجرد بداية لوضع الأفكار وأنه يحتاج إلى مساندة العالم العربي لينفذ خطته بعدما وصف المبادرة العربية للسلام بأنها بداية وليست نهاية.
وتحدث مؤسس حزب الغد ووصيف الرئيس مبارك في انتخابات الرئاسية الماضية الدكتور أيمن نور عن الكاريزما التي ظهر بها أوباما في حديثة للمسلمين والعرب رغم مرور 120 يوما فقط على توليه رئاسة الولايات المتحدة، وأيضا رغم أن عمره السياسي كله لم يتعد 7 سنوات.
وقال «إن خطاب أوباما كان متوازناً واستهدف تحقيق مصالحة مع العالم الإسلامي، موضحاً أن خطابه كان أفضل مما توقعنا وأقل مما نريد حيث إنه لم يركز على الديمقراطية في الشرق الأوسط».
وأضاف «أن الخطاب بداية جديدة ليست سيئة بل مقبولة من كل الأطراف، وأوباما نجح في أن يخرج بتوازن مع كل الأطراف، فهو بحق بارع في التوازنات وخرج من الخطاب بأقل الخسائر الممكنة وبأعلى قدر من المكاسب».
نعومة بديلة للإملاءات
ويرى نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام الدكتور وحيد عبد المجيد أن الخطاب في مجمله كان جيدا وإن كان يحمل بين ثناياه ما يدعو للقلق، خاصة ما ذكره أوباما حول المبادرة العربية وأنها ليست النهاية، وهو يعني أنه يطلب من العرب ما هو أكثر، خاصة وأن المبادرة تتعلق بالتطبيع مع إسرائيل، حيث سيكون على الدول العربية أن تشرع في موجة جديدة من التطبيع لتشجيع إسرائيل على التجاوب مع الجهود الإيجابية.
وقال «إن حديث أوباما عن الحريات الدينية، ينطلق من نفس المنطق الذي حكم به بوش ولكن بشكل أكثر نعومة، فالإدارة الأميركية السابقة كانت تقدمها كإملاءات، ولكن أوباما يطرحها كقيم مشتركة في حين أن تلك القيم لا يمكن أن تكون كذلك».
وأوضح عبد المجيد أن الخطاب جاء جيدا في مجمله وفى إطار التوقعات وحاول أوباما من خلاله أن يكون متوازنا إلى أقصى حد ممكن ولكن التوازن بين الضحية والجلاد ليس به عدالة في القضية الفلسطينية ـ الإسرائيلية.
أما القيادي البارز بحركة كفاية الدكتور عبد الحليم قنديل، والذي رفض منذ البداية تلبية دعوة حضور اللقاء، فقد اختلف مع الآراء السابقة، ووصف أوباما بأنه «مندوب مبيعات شاطر» في الترويج للسياسة الأميركية، حيث رفع المسلمين في بداية الخطاب للسماء مستخدما مهاراته، وكأنه يقدم ما يطلبه المستمعون، لينتقل لقلب الخطاب. وأكد على أن الخطاب لا يقدم أي شيء جديد ومختلف عن سياسة بوش بالمنطقة، حيث ان هناك تمييزا بالانحياز للمصالح الأميركية والإسرائيلية.
بدايات مشجعة
ومن ناحيته، أشاد الأمين العام المساعد بجامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة السفير محمد صبيح بخطاب أوباما، مشيرا إلى أن خطاب الرئيس الأميركي الواضح والصريح واستعداده للشراكة والاستماع وبناء الثقة ومواجهة التوتر وحديثه عن معاناة الفلسطينيين وأن الوقت قد حان لبناء الدولة الفلسطينية، يعد الخطوة الأولى والأساسية والضرورية لبناء سلام عادل وشامل في المنطقة.
وأضاف اننا نعتبر ما قاله أوباما لابد وأن تأخذه إسرائيل على محمل الجد، خاصة فيما يتعلق بدعوة الرئيس الأميركي لإسرائيل لوقف الاستيطان وإقامة الدولة الفلسطينية، مشيرا إلى أنها تمثل رسالة واضحة مفادها أن على إسرائيل أن تختار بين السلام واستمرار التوتر، وهي ذات القاعدة التي يجب أن ننطلق منها.
وأشار صبيح إلى أن كلمة الرئيس الأميركي، هي بدايات مشجعة يجب البناء عليها ونحن سنكون على استعداد للسير في عملية السلام وفق مبادرة السلام العربية، ووفق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ووفق العدل والمساواة.
القاهرة ـ «البيان»