يقول الكاتب المسرحي العالمي أنطوان تشيخوف «إذا شاهدت بندقية معلقة على الحائط في بداية المسرحية، فاعلم أنها ستستخدم حتما أثناء العرض». السلاح النووي موجود على المسرح الدولي منذ أربعينات القرن الماضي، وقد استخدم بالفعل أثناء الحرب العالمية الثانية في هيروشيما وناغازاكي عندما كانت دولة واحدة في العالم هي الولايات المتحدة تملك منه أقل من عشرة رؤوس.
والآن يقدر عدد الرؤوس النووية في العالم كله بنحو 21 ألفا ومئة رأس، تملك منها روسيا وحدها 2865 رأسا والولايات المتحدة 1255 رأسا، والباقي موزع ببضع مئات بين بريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وإسرائيل. روسيا وأميركا كانتا الدولتين الوحيدتين اللتين تمتلكان السلاح الاستراتيجي التكتيكي القادر على حمل وإطلاق الرؤوس النووية من طائرات وغواصات وصواريخ باليستية عابرة للقارات.
الآن هناك عدة دول تملك هذا السلاح التكتيكي الإستراتيجي وخاصة الصواريخ البعيدة والقريبة المدى الصالحة لحمل رؤوس نووية، ومنها دول ليست مدرجة حتى الآن على قائمة الدول الممتلكة للرؤوس النووية، وكوريا الشمالية مثال واضح على ذلك.
فضلا عن ذلك، فلم تعد هناك أية ضمانات تحول دون إمكانية استخدام هذا السلاح في حروب قادمة، وحتى المعاهدات الدولية والثنائية بين موسكو وواشنطن في هذا المجال أصبحت هي الأخرى في عداد الماضي ولا قيمة لها الآن، بل إن المشهد على المسرح الدولي في الآونة الأخيرة أصبح يوحي بالفعل بأن البندقية المعلقة على الحائط انتزعت وأصبحت على وشك الاستخدام.
كوريا الشمالية دولة يحكمها بقبضة من حديد نظام شمولي مستبد يعيش في عزلة بين جيرانه ويواجه عقوبات مستمرة من المجتمع الدولي، لكن هذا النظام المستبد لا يرى مشكلة في هذا الحصار الدولي، بل على العكس يجد في هذا الحصار دعما كبيرا له داخليا يبرر كل ممارساته القمعية والشمولية.
ولهذا لا يكف هذا النظام عن استفزازاته وألاعيبه ببرنامجه النووي وتقنياته العسكرية الكبيرة، ويجد هذا النظام سندا كبيرا له في الجارتين الكبيرتين روسيا والصين اللتين تستخدمانه كفزاعة مرعبة لجيرانهم من حلفاء واشنطن الإستراتيجيين مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرهم، وواشنطن تستخدم هي أيضاً الفزاعة الكورية لدعم ارتباط حلفائها بها بتخويفهم من المغامرات الطائشة لكوريا الشمالية.
ولكن السؤال المهم الآن هو: هل هناك بالفعل تهديد نووي حقيقي وواقعي على المدى القريب أو البعيد؟
لقد كان الخوف من السلاح النووي سابقا أن تستخدمه القوى العظمى ضد بعضها بكميات كبيرة فيدمر العالم كله ويقضي على البشرية، ولكن الآن ثبت بالقطع ان آخر من سيستخدم هذا السلاح هي القوى الكبرى، وأن هذا السلاح أصبح متوقعا استخدامه أكثر وبشكل محدود من قوى صغيرة، قد تكون دولا أو جماعات إرهابية أو غيرها.
وهذه الدول والجماعات في الغالب تحكمها قيادات متطرفة وديكتاتورية شمولية ومرفوضة من غالبية المجتمع الدولي، الأمر الذي قد يدفع هذه القيادات تحت مزيد من الضغوط والحصارات والتهديدات الخارجية أو حتى الداخلية أن تقدم على مغامرة طائشة باستخدام هذا السلاح النووي ضد أي عدو أو خصم خارجي. من هنا تأتي خطورة تهديدات كوريا الشمالية التي أصبحت تملك الرؤوس النووية والصواريخ الحاملة لها.