عندما وضع الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش كلاً من كوريا الشمالية وإيران وسوريا سوية في «محور الشر» ظنت دول كثيرة، عربية وغيرها، أن هذه الدول ضائعة لا محالة بفعل الغضب الأميركي، لكن اليوم وبعد ثماني سنوات تأتي المحصلة على غير هذه التوقعات، فالولايات المتحدة هي التي خرجت خاسرة من المواجهة مع هذه الدول.

اليوم كل من كوريا وإيران لديه برنامج نووي ناجح، الأولى أكملته واستطاعت للمرة الثانية القيام بتفجير نووي، والثانية على الطريق، وان كانت تعلن سلميته. أما سوريا فاستطاعت الخروج سالمة بوطنها وشعبها من المؤامرات الأميركية. وقد اعترفت إدارة الرئيس باراك أوباما بفشل السياسة التي اتبعتها بلادها على مدار أعوام تجاه الدول الثلاث، وعادت مضطرة لتفتح جسوراً معها، ولم يكن للولايات المتحدة أن تقدم على ذلك لولا تأكدها من عدم جدوى استمرار سياسة التحدي التي اتبعتها فيما مضى، فلا هي استطاعت إسقاط نظم هذه الدول بالقوة مثلما توعدت، ولاهي استطاعت تحقيق استراتيجياتها.

اليوم تخرج الدول الثلاث من التحدي الأميركي أقوى مما كانت عليه قبل ثماني سنوات، تمتلك إرادتها وقرارها الوطني، حتى التنازلات التي قدمتها لم تكن سوى تنازلات تكتيكية، ويستوي في ذلك ما أقدمت عليه كوريا من تفكيك مفاعل نووي متهالك، حيث باغتت أميركا قبل أيام بتفجير نووي جديد، أو ما أقدمت عليه إيران من تسوية مع واشنطن في العراق وأفغانستان، أو ما أقدمت عليه سوريا في بعض الملفات. أما الولايات المتحدة فهي غارقة في العراق وفي أفغانستان، وعاجزة عن استعادة هيبتها وكبريائها العالمي، خاصة في المنطقة العربية وفي شبه الجزيرة الكورية.

ولقد تمكنت هذه الدول من إفساد معظم مشروعات أميركا في الاستفراد بالعالم إقليمياً ودولياً. فشبه الجزيرة الكورية تتحول إلى جمرة نار في حلق واشنطن. والمشروع الشرق أوسطي الأميركي الذي من أجله غزا بوش العراق تعثر وانتكس. كما فشلت أيضاً المحاور والتكتلات التي شكلتها أميركا ضد هذه الدول.

سبب انتصار هذه الدول «خاصة كوريا وإيران»، هو امتلاكها مشروعات وطنية، وواقعيتها الدولية. فالعلاقات بين الدول تقوم أولاً وأخيراً على المصالح، وفي العادة تؤدي المصالح إلى المنافسة والصراع، خاصة إذا كانت المصالح متعارضة، وهي في الغالب كذلك، ولم توجد بعد الدولة التي لا تتعارض مصالحها مع الآخرين بين حين وحين.

ويعد نجاح دول «محور الشر» في هزيمة أميركا درساً قاسياً للدول العربية قبل غيرها، وبشكل خاص تلك التي تصف نفسها بدول الاعتدال، وقدمت من مصالحها الوطنية قرابين للاستراتيجيات الأميركية، رغم ان تلك الاستراتيجيات تصب دوماً في صالح إسرائيل. وليس من المبالغة اعتبار الهزيمة الأميركية هزيمة ضمنية لدول الاعتدال العربي، لأنها ربطت نفسها بالمشروعات الأميركية طوال السنوات الماضية ولاتزال كذلك تسخر إمكاناتها السياسية والاقتصادية والعسكرية لحساب هذه المشروعات.

لقد أثبتت التطورات الدولية والإقليمية أنه لم يكن لكل من كوريا الشمالية وإيران (خاصة) وسوريا «إلى حد ما» أن تخرج رابحة من التحديات الأميركية إلا باعتمادها على قدراتها الوطنية، وحسن توظيفها للمتغيرات الإقليمية والدولية. وتعد المشروعات النووية أحد معالم المصالح الوطنية، وأحد ثمار الربح الوطني، وفي ذلك عبرة وعظة لكل الدول والشعوب التي تأمل لنفسها مكاناً كريماً تحت الشمس.