أحلى الكلام.. أمطرنا به الأميركيون على مر العصور. الكلام لا يكلفهم شيئا. البيانات والتصريحات والخطب لا تباع ولا تشترى، تستنزف منهم فقط أحبارا للورق الذي يسطرون عليه كلامهم المعسول. أو تستقطع بعضا من أوقاتهم لكي يتحدثوا بألسنة عذبة عن الود والمحبة والصداقة التي تجمعنا بهم.
يقينهم بأن أمة العرب والمسلمين تحركهم عواطفهم على حساب عقولهم، دفعهم إلى الاستهزاء بنا بوابل من الوعود الكاذبة. ولعل آخر كذبتين هضمهما العرب كذبة بوش الابن عندما قال ان 2005 هو عام ولادة الدولة الفلسطينية، وكذبة كوندي ـ كوندوليزا رايس ـ بأن 2008 لن تنتهي إلا باتفاق شامل للفلسطينيين.
في مقابل ذلك ـ أقصد مقابل الكلام الجميل والوعود الكاذبة - نالوا منّا ما لا يستحقونه. (ثرواتنا ـ مثلا ـ في خزائنهم بالمليارات). وعندما قالوا بعد أحداث سبتمبر 2001، من ليس معنا فهو ضدنا، تسابقنا لخطب ودهم، وكان أول من واساهم ـ لمن شاء أن يتذكر ـ المناضل الفلسطيني الراحل الشهيد أبو عمار الذي تبرع بدمه ـ رمزيا ـ للأميركيين متضامنا معهم ضد الإرهاب (فكان جزاؤه أن لفظوه وتركوه معتقلا لدى السفاح ارييل شارون الذي تخلص منه بالسم).
ارتضينا أيضا أن تكون أفغانستان وأرض الرافدين في قبضتهم ـ والرضا هنا هو السكوت على عدوانهم وجرائمهم في أبوغريب وغوانتانامو. هكذا.. خيرنا ودعمنا ذاهب إليهم، وشرهم وتجبرهم وارد إلينا. مددنا أيادينا إليهم في محنتهم، فكان جزاؤنا أن تركوا إعلامهم يساوي بين الإرهاب والإسلام. فاض الكيل بالرأي العام العربي والإسلامي، وهذا ما أيقنه أوباما الذي أراد بخطابه التاريخي من القاهرة العربية الإسلامية، أن يمتص كل غضب وسخط على صناع القرار في بلاده ولسان حاله يقول عفا الله عما سلف.
ولكن لن ينال الرئيس الأميركي رضا العالم العربي والإسلامي ـ والمقصود ليست أنظمة هذين العالمين التي تحرص في معظمها على ألاّ تغضب العم سام، بل شعوبهما التي يئست من سياسات أميركا. كلامه سيذهب أدراج الرياح، إن لم يتحول إلى أفعال، وسينطبق عليه قول الشاعر العباسي صالح بن عبد القدوس: يعطيك من طرف اللسان حلاوة، ويروغ منك كما يروغ الثعلب».
سبقه في الأفعال.. الرئيس الأميركي الراحل أيزنهاور، عندما أجبر إسرائيل على الانسحاب من سيناء عام 1956، بإطلاقه عبارة واحدة «الانسحاب أو قطع المعونة». ومن بعده بخمسة وثلاثين عاما.. وجه بوش الأب أقوى تحذير لإسرائيل في ظل سطوة اللوبي اليهودي، إذ قرر تجميد ضمانات على قروض بعشرة مليارات دولار كانت قد وعدت واشنطن بتقديمها لإسرائيل لاستيعاب المهاجرين الجدد من الاتحاد السوفييتي.
كلام أوباما عن سياسة إسرائيل حتى الآن جيد ومقبول سواء منه أو من وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون. كلاهما لم يتنازلان عن مطلب تجميد المستوطنات ويصران على قيام الدولة الفلسطينية. ولكن المهم كيف يردّان على رفض نتانياهو وقف الاستيطان، وإقامة دولة فلسطينية.
مطلوب من أوباما، أن يتحرر أولا من سطوة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة والذي تحدث عنه منذ ثلاث سنوات اثنان من الباحثين الأميركيين، هما جون ميرشايمر وستيفن والت عندما كشفا عن سيطرة هذا اللوبي على السياسة الأميركية وأكدا أن ذلك يضر بمصلحة الأمن القومي الأميركي.
بالتأكيد أوباما لن يتحرر من هذه السطوة، إلا في حالة واحدة.. هي ظهور «لوبي عربي وإسلامي» يؤثر بفاعلية على السياسة الأميركية، ومُذكرا صانعيها بأنه يملك ما لا يملكه اللوبي اليهودي. وكلنا والأميركيون يعرفون ماذا نملك وبماذا نضغط.