ثمة مفارقة نافرة في موضوع حقوق الإنسان. فالملاحظ أنه بقدر ما تزداد حصة هذه الحقوق من المتابعة والأضواء، بقدر ما تتوسع دائرة انتهاكاتها. العلاقة بين تزايد التركيز عليها، وبين تردّي أوضاعها؛ كانت باستمرار علاقة طردية. خاصة في السنوات الأخيرة. معادلة محكومة بتناقض، يعكس وجود خلل فادح في المقاربة والآليات.
تقرير «منظمة العفو الدولية» الأخير ينطق بذلك. استفحال هذه المشكلة بكل أبعادها الإنسانية والسياسية والاقتصادية، فضلاً عن القصور والانحياز في معالجتها؛ كله بات يستوجب تطوير صيغة جديدة للتعامل معها؛ قبل أن يتفاقم أمرها وتتحوّل، ليس فقط إلى وصمة عار على جبين الإنسانية؛ بل أيضاً إلى قنابل موقوتة في أكثر من مكان في العالم.
قضية حقوق الإنسان، تتعاطى معها منظمات وهيئات ومؤسسات عديدة، في العالم. تزعم جميعها بأنها تلعب دور عين الرقيب والناطور، في هذا الحقل. ترصد وتسجل الانتهاكات، لتنشرها في تقارير دورية. بذلك تفضح المخالف، علّه يرتدع ويصحّح. الوظيفة نبيلة، في المبدأ. كثرة الحرّاس والعيون الساهرة، في هذا المجال؛ من المفترض أن يكون مردودها إيجابي.
لكن الواقع غير ذلك. حقوق الإنسان تتدهور زيادة. تطلع تقارير كثيرة. في أحسن الأحوال، تأثيرها ضئيل وعابر. يعود ذلك لكونها معطوبة من ناحيتين: ملوّثة بالسياسة. ثم أنها تفتقر لمرجعية لا تملك صلاحية المساءلة ولا آلية المحاسبة.
لذلك عندما تصدر، تواجه بواحد من اثنين: إما بالتجاهل والإهمال، على اعتبار أنها كلام بكلام لا يترتب عليه أية مسؤولية أو كلفة. وإما بموقف سلبي، على أساس أنها منحازة، غير متوازنة وموجهة لخدمة أغراض وأهداف سياسية، تحت عباءة «حقوق الإنسان». وهي عموماً كذلك. خاصة تلك التي تصدر عن جهات، لا تقوى أن تكون موضوعية؛ تجاه ساحات تبلغ انتهاكاتها لهذه الحقوق حدوداً فاضحة. ومع ذلك لا تخصّها هذه التقارير بما تستحق من إدانة وتسليط أضواء. في أحسن الأحوال تشير إليها على استحياء وبصورة خاطفة.
ينطبق ذلك على التقرير الذي تصدره وزارة الخارجية وكيفية تعامله مع إسرائيل، في هذا الخصوص. كما ينطبق على جهات أخرى عندما يتعلق الأمر بالدولة العبرية. مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مثلاً، أخذته خمسة أشهر، ليرسل فريقه للتحقيق في جرائم إسرائيل ضد الإنسانية، التي ارتكبتها أثناء مجزرة غزة. مع أن فعلته ينزل في هذه الخانة، باعتراف كل الذين زاروا القطاع بعد الحرب.
كذلك تقرير «منظمة العفو الدولية» الأخير؛ الذي يمر على خروقات الاحتلال الإسرائيلي؛ بصورة سردية سريعة. وحتى السرد ناقص، حيث لا إشارة إلى القمع اليومي لشعب بكامله؛ ولا إلى حصار وتجويع غزة، باعتباره عقاباً جماعياً يرقى إلى مستوى جريمة حرب تحظرها كافة القوانين والمواثيق الدولية.
انتهاكات حقوق الإنسان، تفاقمت وتعدّدت وجوهها. مروحة واسعة من التعديات والساحات. من القتل والتشريد والتهجير، إلى الاعتقالات والقمع والتجويع وغير ذلك من ضروب الحرمان والإذلال والفقر. تقارير الجهات المعنية، لا تفي بالغرض. لا هي محايدة ولا هي نافذة.
لقد حان الوقت لمأسسة هذا الموضوع، عن طريق إيجاد هيئة موحدة، خاصة بحقوق الإنسان؛ تتكون من مرجعيات دولية وبآليات تمكنها من معاقبة المنتهكين. مجلس أمن دولي، ينظر بالانتهاكات؛ لكن مختلف بتركيبته وصلاحياته عن مجلس الأمن الدولي؛ ومن دون حق فيتو لأحد. من دون محاسبة، يبقى موضوع حقوق الإنسان مفتوح على الأدهى.