حالة من التوتر والترقب تسيطر على الأوضاع في شرق آسيا وتمتد إلى مناطق كثيرة من العالم لتلقي بظلال كثيفة على مستقبل الانتشار النووي منذ أن أعلنت كوريا الشمالية قيامها بإجراء تجربة نووية ناجحة في باطن الأرض تجاوزت قوتها تلك التي أجريت عام 2006.
ولعل ما يبرر مخاوف العديد من الجهات أن التجربة الأخيرة رفعت كثيراً من مستوى القدرة التدميرية والتحكم بالسلاح النووي الذي تمتلكه كوريا الشمالية، حيث سجلت عدداً من مراصد المسح الجيولوجي الأميركية والروسية أن قوة الانفجار الذي أجرته «بيونغيانغ» بلغت من 10-20 كيلو طن أي أقوى من تجربة 2006، مما «يعزز قوة الردع النووي لديها».
كما يزيد من حجم المخاوف الدولية من التفجير النووي الكوري الشمالي أنه صاحبه أيضاً تجارب إطلاق عدد من الصواريخ طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى، وهو ما يفسر ردة الفعل الدولية عندما وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما التفجير النووي الكوري بأنه «تهديد للسلام العالمي»، مضيفاً في بيان له «إن تصرف بيونغيانغ المتهور قوض الاستقرار في آسيا وسيؤدي إلى زيادة عزلتها».
وعبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون أيضاً عن قلقه العميق، وقال «إنه يراقب الوضع في المنطقة عن كثب، كما دان رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون بشدة التجربة النووية الكورية، لافتاً إلى أن هذه التجربة ستقوض أركان السلام في شبه الجزيرة الكورية، فيما وصف المنسق الأعلى للعلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي خافيير سولانا تصرفات كوريا الشمالية بأنها غير مسؤولة، ودعا المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم، مؤكداً أن الاتحاد الأوروبي سيواصل المناقشات مع شركائه لبحث الإجراءات المناسبة.
معارضة أميركية
وكان وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس وجه تحذيراً شديد اللهجة لكوريا الشمالية قائلاً «إذا أكملوا في هذه الطريق، فالعواقب ستكون جسيمة على الاستقرار في المنطقة»، محذراً من أن الولايات المتحدة «لن تقبل بحيازة كوريا الشمالية السلاح النووي».
وتابع قائلاً «منذ انتخاب الرئيس الأميركي باراك أوباما «لم تتغير سياسة الولايات المتحدة، فهدفنا هو تأمين نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية ولن نقبل بحيازة كوريا الشمالية السلاح النووي»، مكرراً تأكيد التزام بلاده الصريح بالدفاع عن حلفائها في المنطقة».
في البداية، يؤكد السفير الدكتور محمد إبراهيم شاكر، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير الدولي في الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي، أن الأزمة الحالية في الجزيرة الكورية تثير القلق وتقتضي اجتماع المجموعة السداسية في المحيط الهادي والتي تضم كلاً من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين واليابان والكوريتين في أسرع وقت بعد أن توقفت أعمالها، لبحث الآثار المترتبة على هذا التفجير النووي.
وحذر من أن ترك هذا الوضع بهذا الشكل قد يؤدي إلى أزمات غير محسوبة في مناطق شرق آسيا وسوف ينعكس بلا شك على مناطق كثيرة في العالم ومن شأنه أن يؤدي إلى حالة من الانفلات النووي وتصاعد الأمور بشكل يصعب السيطرة عليها مستقبلاً.
وقال إن التجربة النووية التي أجرتها كوريا الشمالية من شأنها أن تهز نظام منع الانتشار النووي على مستوى العالم، وتثير المخاوف من تكرار هذه التجربة من دول أخرى، خصوصاً إسرائيل التي قد تقوم بعمل تجربة نووية.
أبعاد عالمية وإقليمية
وأضاف ان هذا الموضوع كان يعالج على مستوى إقليمي منذ فترة طويلة ولكن أصبح له الآن أبعاداً عالمية ودولية ولذلك فلابد من اجتماع الدول الست لبحثه بدقة وبحث تأثيراته خاصة وأنه سيؤثر بلا شك على اتفاقية منع الانتشار النووي، مشيراً إلى اجتماع اللجنة التحضيرية لاتفاقية منع الانتشار النووي في نيويورك الأسبوع المقبل.
حيث يحظى الموضوع الكوري الشمالي باهتمام كبير على خلفية التفجير النووي الأول الذي وقع عام 2006، مشدداً على أن التفجير الثاني الذي تم مؤخراً سيزيد من سخونة الأمور وتوتير الأجواء ومن المتوقع أن يلقي بظلال كثيفة على اجتماعات اللجنة، واجتماع مراجعة اتفاقية منع الانتشار النووي المقرر أن يعقد العام القادم. وأوضح شاكر أن التجربة النووية لكوريا الشمالية جاءت في وقت دعا فيه أوباما إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية وتعهده بالعمل من أجل ذلك.
واستبعد الخبير الدولي في الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي محمد إبراهيم شاكر القيام بعمل عسكري ضد كوريا الشمالية، لأن الأمر سيعتمد بصفة أساسية على الدور الصيني لحل هذه القضية، داعياً في الوقت نفسه لإيجاد حلول حتى لا يعود سباق التسلح إلى العالم.
وحول إمكانية حدوث صدام بين الكوريتين خاصة بعد توقيع سيؤول على مبادرة واشنطن لاعتراض وتفتيش السفن التي يشك في حملها لمواد نووية وهو ما اعتبرته بيونغيانغ إعلاناً للحرب وتوعدت بالرد بقوة إذا ما تعرضت سفنها للتفتيش، أكد شاكر أن عملية اعتراض وتفتيش السفن في المياه الدولية قضية مهمة ومازال أساطين القانون الدولي يبحثون فيها وقانونية القيام بتفتيش السفن في المياه الدولية للبحار وهي مسألة شائكة قانونياً ولكنها تدخل في إطار جهود منع الانتشار النووي وخطر الأسلحة النووية، مستبعداً أن تتصاعد الأمور لمواجهة عسكرية بين الكوريتين.
منطقة قابلة للاشتعال
ومن جانبه، أشار الدكتور محمد عبدالسلام رئيس وحدة الأمن الإقليمي والتسليح بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام إلى أن الوضع في كوريا له انعكاسات خطيرة ليس على الكوريتين فحسب وإنما على شرق آسيا بأكمله وهي منطقة قابلة للاشتعال باعتبار أنها تضم كلاً من روسيا والصين وهما قوتان نوويتان وكوريا الجنوبية واليابان ولديهما إمكانيات نووية ويمكن دخولهما في أي وقت في برامج نووية عسكرية بالإضافة لتايوان والتي بلا شك تراقب الموقف عن كثب، هذا بالإضافة لكوريا الشمالية وهي دولة نووية جديدة أجرت تفجيرها النووي الثاني ولديها برنامج صواريخ متطور سواء طويل أو متوسط أو قصير المدى.
وقال إن الوضع الكوري الحالي يطرح عدة احتمالات: الأول أن تستمر كوريا الشمالية في اتباع سياستها الحالية وسعيها لامتلاك قدرات نووية متطورة تمكنها من مقايضة الأطراف الدولية وخاصة الولايات المتحدة للحصول على مكاسب وامتيازات سياسية واقتصادية، أما الثاني فيتمثل في خلق واقع جديد باعتبارها قوة نووية تضاف لدول النادي النووي.
وحول إمكانيات مواجهة الدول الغربية والولايات المتحدة للوضع في كوريا الشمالية، قال عبدالسلام «إن هناك عدداً من الخيارات المتاحة وهي إما توجيه ضربة عسكرية لكوريا أو تقديم حزمة من الحوافز السياسية والاقتصادية أو ممارسة الضغوط على بيونغيانغ.
وأَضاف إنه رغم التوترات السياسية وحالة التأهب العسكرية إلا أنه لا يوجد حديث بجدية عن استخدام الخيار العسكري، ولكن الأخطر من ذلك أن أحداً لا يتحدث عن الحوافز السياسية والاقتصادية، الحديث فقط عن الضغوط.
الضغوط ليست حلاً
ورأى عبدالسلام أن كل ذلك هو رد فعل أولي طبيعي ولكنه غير عقلاني لأنه لم يستطع في وقت من الأوقات رد أي دولة عن منهجها، كما أن الضغوط أيضاً لن تحل المشكلة خاصة وأن كوريا الشمالية مفروض عليها حصار اقتصادي دولي وخاصة من الدول الغربية والآسيوية فهي لا يوجد لديها ما تخسره وهو ما سيدفعها للاستمرار في تنفيذ مخططاتها والسعي لتوتير المنطقة وتأزيم الموقف.
ومن ناحيته، أشار الخبير الاستراتيجي اللواء عبدالرحمن الهواري إلى أن التفجير النووي الأخير الذي أجرته كوريا الشمالية من شأنه أن يعيد الأحداث في شبه الجزيرة الكورية إلى بؤرة الأحداث من جديد ويهدد بإعادة الوضع لدرجة كبيرة من السخونة، لافتاً إلى أنه في ظل غياب معاهدة السلام التي أعقبت هدنة 1953 التي وضعت حداً للحرب الكورية (1950-1953) لا تزال الكوريتان رسمياً في حالة حرب، محذراً من أنه إذا أعلنت بيونغيانغ أنها لم تعد ملزمة بهدنة 1953، فإن شبه الجزيرة الكورية ستصبح مجدداً في حالة حرب رسمية.
وأضاف ان ست سنوات من المحادثات السداسية الحثيثة بين الكوريتين والصين والولايات المتحدة وروسيا واليابان، لم تنجح في إقناع بيونغيانغ بالتخلي عن برنامجها النووي، مشيراً إلى توقف المحادثات منذ أن انسحبت منها كوريا الشمالية احتجاجاً على إدانتها في الأمم المتحدة بعد تجربة إطلاق صاروخ بالستي.
مشارف حرب إقليمية
وحذر من أن إقدام كوريا الجنوبية على التفجير النووي يجعل منطقة سرق آسيا على مشارف حرب إقليمية أو على أقل تقدير سباق نووي محموم ويتوقع أن تدخل دول جديدة السباق أو تعيد دول كانت قد أوقفت مشروعها النووي العسكري تنشيط برنامجها بتنفيذ عدد من التجارب النووية، الأمر الذي سيكون له نتائج سلبية كبيرة على الأمنين الدولي والإقليمي في المنطقة ومن شأنه أيضاً أن يشجع أطرافاً خارج المنطقة على حذو بيونغيانغ وخاصة دول مثل إيران وإسرائيل وهو ما يهدد بانفلات نووي عالمي.
وأضاف ان إقدام كوريا الشمالية على التفجير النووي وإطلاق صواريخ متعددة المدى وقيام كوريا الجنوبية في المقابل بالتوقيع على المبادرة الأمنية ضد الانتشار النووي التي أطلقتها الولايات المتحدة في 2003 والمعروفة «بمبادرة واشنطن» والتي تضم 90 دولة وتجيز تفتيش السفن في عرض البحر التي يشتبه بنقلها مواد نووية وأسلحة دمار شامل أخرى هو ما دفع قادة كوريا الشمالية إلى التهديد بالرد بعنف إذا تعرضت سفنها للتفتيش معتبرة ذلك خطاً أحمر يمكن أن يهدد بتصعيد الموقف بشكل دراماتيكي بين الكوريتين ويزيد من تأزيم الموقف بالمنطقة.
بؤرة صراع أيديولوجي
أما اللواء عادل سليمان مدير المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، فقد لفت إلى أن الوضع في الكوريتين يتسم دائماً بالسخونة والتربص بين الجانبين باعتباره البؤرة الأخيرة للصراع بين الأيديولوجيتين الشيوعية والرأسمالية على أساس أن كوريا الشمالية هي أحد المعاقل الأخيرة للشيوعية، بينما تحاول الولايات المتحدة مدعومة من الغرب تقويض نفوذها وتفرض عليها حصاراً اقتصادياً.
وأضاف ان الوضع هذه المرة يختلف بشكل كبير عن أي وقت مضى لوجود رفض روسي وصيني ودولي للتجارب الكورية وهو ما يزيد من عزلتها ويضعفها، إلا أن هذا الحصار وهذه العزلة قد يدفعان بيونغيانغ لاتخاذ مواقف غير محسوبة العواقب لضرب هذا الحصار وكسر العزلة المفروضة عليها وهو بالطبع ما سيكون له مردود سلبي على المنطقة بأسرها.
ورغم ذلك، استبعد سليمان لجوء المجتمع الدولي لخيار الحرب في التعامل مع الأزمة الكورية لما له من انعكاسات خطيرة خاصة وأن كوريا تمتلك ترسانة عسكرية تقليدية وغير تقليدية ضخمة كما أن ذلك الخيار سيكون له انعكاسات سلبية خطيرة على المنطقة لا تقل عن خطورتها على كوريا الشمالية، هذا فضلاً عن الآثار السيئة على اقتصادات دول المنطقة.
وأضاف ان المجتمع الدولي أيضاً غير مستعد للدخول في مقايضة أو تقديم تسهيلات وحوافز لكوريا الشمالية لعدم ثقته في النظام الحاكم هناك، بالإضافة إلا أن لغة الضغوط والحصار والعزلة لن تجد أذناً صاغية في بيونغيانغ لأنها تعايش على هذه الضغوط منذ سنوات دون تأثر أو تأثير، وهو ما يزيد من صعوبة الموقف في منطقة شرق آسيا بأكملها.
القاهرة ـ «البيان»