عزفا على نغمة عودة الصحوة الدينية صدر حديثا عن دار نشر بنجوين الأميركية كتاب بعنوان «عودة الرب» ـ المؤلفان جون ميكلثويت وأدريان وولدريدج ـ يرصد دور الدين كقوة فاعلة وذات سطوة في العالم المعاصر.

والكتاب الذي قدم موقع «إسلام أون لاين» مراجعة نقدية له يمثل تواصلا بشكل أو بآخر مع كتابين صدرا من قبل حول الموضوع ذاته الأول لكارين أرمسترونج وترجم إلى العربية تحت عنوان «معارك في سبيل الإله: الحركات الأصولية الدينية في اليهودية والمسيحية والإسلام» والثاني للباحث الفرنسي جيل كيبيل وترجم إلى العربية كذلك تحت عنوان «يوم الله: الحركات الأصولية في الديانات الثلاث» ـ العنوان الأصلي للكتاب «إنتقام الله» ـ وقد ترجم إلى 18 لغة خلال ستة أشهر من صدوره.

ما يهمنا هنا الإشارة إلى عدة دلالات تكشف عنها هذه الكتابات وهي غربية كلها.. أولها أنه رغم التركيز الغربي على الحركات الإسلامية المتشددة، إلا أنها ليست الوحيدة على الساحة اليوم بل هناك العديد من الحركات المسيحية أو اليهودية المتشددة.

من ناحية ثانية أن هذا التحول قد ألقى بظلاله على مظاهر عديدة في الحياة المعاصرة وأبرزها السياسة ومن الأمثلة الخلافية التي يقدمها كتاب عودة الرب اكتساب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي طابعا دينيا رغم أنه كان صراعا ذا سياق علماني، وإن كان يرد على ذلك تحفظا مؤداه أن قيام إسرائيل تم على أساطير دينية. غير أن ذلك لا يقوض كلية المقولة المتعلقة بالتأثير الديني على الظاهرة السياسية.

من ناحية ثالثة أن الدين حسبما تؤكد الكتب الثلاثة رغم حيويته إلا أن حضوره ـ وفق صيغ من الفهم ـ لا يمثل خيرا دائما حيث أنه في بعض الأحيان يكون عاملا محوريا في الكثير من الصراعات الدموية التي تجري في أنحاء مختلفة من العالم. من ناحية رابعة أن الأفراد المنتمين للحركات الدينية، كما يؤكد جيل كيبيل بشكل خاص، ليسوا من العامة أو من الرجعيين أو الأميين بل هم في جملتهم من المثقفين والعلماء أو الميالين للفروع التقنية.

وتبقى نقطة أخيرة تتعلق بالسياق الذي تجرى على أرضيته الصحوة الدينية وهو السياق العلماني، ما يدعو إلى التساؤل،، بشأن إمكانيات التعايش بين الظاهرة الدينية في شكلها المعاصر والعلمانية، الأمر الذي لم يحظ بالكثير من المناقشة من قبل من تناول هذه الظاهرة. فإذا كانت الأصولية الجديدة تمثل رد فعل على فشل الحداثة، باعتبار، ما يذكره كيبيل، أن الحداثة تعتبر ثمار عقل بدون إيمان، فإلى أي حد يمكن أن يتعايش العقل الحداثي مع العقل الديني؟

وكيف ستكون شكل الروحانيات الدينية في مجتمع الحداثة وهى العازفة عنها ؟ وهل تزين شخص مثل بوتين بالرموز الدينية وعدم خلعه صليبه التعميدي عن صدره يمكن أن يدرج في إطار السلوك الديني أم ماذا؟ وكيف يمكن تصنيف دعوة ساركوزي إلى دور أكثر جوهرية للدين في الحياة العامة؟ وما هي طبيعة هذا الدور؟

ثم ما هي الحدود التي يمكن ان تمثلها مكونات الأديان في السلوك الإنساني المعاصر؟ وما هي حدود مكونات العلمانية ؟ وإذا كان الدين والعلمانية يتناقضان، فإلى أي مصير ينتهي هذا التحول: إلى «كثلكة» الحداثة أو أسلمتها أم علمنة الأديان.. مسيحية كانت أم يهودية أم إسلامية؟ هل تصير الإنسانية إلى ما يمكن وصفه بـ «الدين العلماني».. أسئلة كثيرة تطرح نفسها بشأن دور الدين في ظل الحديث عن صحوته، فيما تتوحش مظاهر الحداثة المناهضة للدين.