يحب الناس أن يروا أنفسهم في مطبوعاتهم، عبر الاهتمام بأحوالهم وتتبع جوانب معاناتهم ومعايشة آلامهم، غير أن صحافة النشرات إن صح التعبير لا تعير اهتماما للجمهور العام ولا تعتبره موجودا، فالناس بالنسبة إليها يتم إزالتهم في النخبة الحاكمة حيث يغلب الاهتمام بكل التفاصيل، كل صور الحكام والتفاتاتهم ونواياهم، وما قاله الناس عنهم أو فيهم من مديح، أما الجانب الآخر حين يحضر شيطان النقد فليس له مكان، ولا لصاحبه وجود سواء كان محررا أو كاتبا أو محاضرا أو مصدر معلومات.

لذلك كان طبيعيا أن ينصرف الجمهور عن هذه المطبوعات، ويخرجها من دائرة اهتماماته، إن وجدها بالصدفة تسلى بتصفح عناوينها دون قراءة محتواها، وان لم تصادفه لا يفتقدها، وهذا يؤدي بالمحررين الجادين إلى الإحساس بأنهم يرمون بضاعتهم في رمال الصحراء حيث لا تسوق ولا مشترين.

ربما يفكر بعض المسؤولين بمنطق ان هذا يريح بالهم، لكن الجادين منهم في نقل بلدانهم إلى آفاق أرحب يتطلعون إلى معادلة أخرى.. صحافة ذات تأثير ومضمون فيها عدم توجيه سهام النقد، وهذا متحقق في بعض التجارب مثل «الشرق الأوسط» و«الحياة» وتكاد تكون خريطة هذا النوع من الصحف خلوا إلا منهما.

المدهش في تجارب بعض الدول العربية أن الصحف الصادرة باللغة الانجليزية تتمتع بهامش حرية أوسع، وكثيرا ما تنقد أوضاع المجتمع المحلي أو تشتبك في قضايا مثارة خارجيا تخص ما يجري بالداخل ورغم ان هذا مفيد إذ يوفر قناعة لدى الجاليات الأجنبية انها تتعامل مع إعلام منفتح يتقصى الأخبار ويشتبك ايجابيا مع الواقع، إلا أن ذلك ينطوي على تمييز فج بين قارئ لا يتقن الانجليزية ( مع انه الأكثر احتياجا إلى المعرفة من وسائل محلية) وقارئ يتحدث ويكتب بها وتتعدد أمامه مصادر المعرفة الأخرى.

ولا مانع من أن تكون هناك صحيفة واحدة رسمية تتحدث بلسان الحكم وتنقل ما يجري من أنشطة رسمية ومقابلات بالتفصيل الممل، لكن أن تتحول الصحف كلها فيما ندر إلى نشرات رسمية مصدرها واحد ولغتها واحدة وصورها واحدة، فذلك يكرس العقم في المجتمعات ويمنعها من تنمية التفكير الحر للأفراد الذي هو لازم لأي عمليه تنمية أو تقدم حقيقي.

وفي ظل عصر السماوات المفتوحة والأخبار التي تتدفق عبر مواقع الإنترنت وخدمات الأخبار العاجلة والقنوات التي تبث الأحداث بشكل مباشر تصبح عملية الخصي التي تمارس ضد كل ما تنشره الصحف نوعا من العبث، فالأجدر بالتفكير هو كيف تقدم الصحف كل المعلومات وتنشر كل الأخبار بمعالجة خاصة أو من وجهة نظر تظهر حقيقة الافتراءات التي تنشرها وسائل الإعلام الخارجية إذا كانت هناك افتراءات، وتقدم الحقيقة إذا كانت هناك حقيقة غائبة أو مسكوت عنها.

بقي الحديث عن الكوادر العاملة في مهنة الصحافة، فأغلبها غير مؤهل دراسيا ولا نفسيا ولا ثقافيا لممارسة مهنة يفترض أنها شاقة وتتطلب إعدادا خاصا، ولذلك ليس مدهشا أن يتحول كثير من العاملين فيها إلى موظفين بهيئات حكومية أو في أقسام العلاقات العامة للشركات أو في شركات المقاولات والسمسرة، طالما أن جهات أخرى توفر رواتب أعلى، لكن في دول الصحافة الناهضة التي تمسك ببعض من أطراف حريتها يعتبر ذلك عيبا كبيراً، ويصل الأمر إلى شطب صاحبه من عضوية جمعية أو نقابة الصحافيين باعتباره ارتكب جرما لا يليق بصحافي.