الانتخابات الهندية الأخيرة تشكِّل ميداناً للأرقام القياسية. 417 مليون ورقة اقتراع تم إحصاؤها. حزب المؤتمر وحلفاؤه فازوا بـ 261 مقعداً من مقاعد البرلمان البالغ عددها 543. الحليف الأكبر حصل منفرداً على 206 مقاعد. هذه أفضل نتيجة يحققها المؤتمر منذ العام 1991. مصرع راجيف غاندي، إبان الحملة الانتخابية أكسب الحزب موجة تعاطف عالية وسط الجماهير. في المقابل حصد حزب بهارتيا جاناثا 116 مقعداً فقط. هذه الحصيلة الأكثر بؤساً في رصيد الحزب خلال عقدين. نصيب الشيوعيين لم يتجاوز 24 مقعداً برلمانياً.
إخفاق الشيوعيين لا يتجسَّد فقط في فقدان 38 مقعداً. الأكثر مرارة أن هذا الحد الأدنى في تاريخ الحزب منذ العام 1952. تلك الخيبة تضرب الشيوعيين بعد نجاح باهر في البرلمان السابق إذ شغلوا 26 مقعداً في ضوء انتخابات 2004. ذلك هو الفوز الأفضل في رصيد الشيوعيين.
بعد تأمين أغلبية برلمانية مريحة يرى المراقبون أن حكومة المؤتمر الجديدة يمكن أن تصبح أكثر استقراراً وأقل فساداً وأفضل فاعلية في زمن الأزمة المالية الراهنة. الأغلبية نفسها منحت موهان سينغ مقعداً متقدماً في تاريخ الهند. الأكاديمي الوقور أصبح أول رئيس وزراء هندي منذ رحيل جواهر لال نهرو يكمل ولايته الخمسية ويُعاد تعيينه في المنصب.
سينغ يتحرَّر في ولايته الثانية من ضغوط وعقبات حلفائه السابقين حينما أسند ظهره إلى فقط 145 نائباً للمؤتمر في البرلمان السابق. الشيوعيون لم يكتفوا بتعدد السياسات الخارجية لحكومة سينغ الأخيرة، بل تبوأوا مواقف مضادة لتوجهاته أثناء المعركة الانتخابية. الحزب وقَّع فاتورة باهظة مقابل تلك المواقف. بالإضافة للخسارة الفادحة في البرلمان المركزي فقد الشيوعيون الأغلبية في برلمان البنغال الغربية. تلك ولاية ظلت خاضعة لهيمنة اليسار طوال عقود ثلاثة. الحزب الشيوعي فقد سنده وسط الفلاحين في البنغال كما في ترينامول.
المؤتمر فاز بـ 21 مقعداً في أوتار براديش الولاية الأكثر كثافة سكانية. هذا ضعف ما حصل عليه الحزب في الانتخابات السابقة. هذان مؤشران يؤكدان رغبة الناخبين الهنود في وجود حكومة مركزية مستقرة. كذلك توضح نتائج الانتخابات قناعة شعبية بإمكانية بناء حزب على قاعدة أثنية، إقليمية أو دينية. غير أن هذه العناصر لا تكفي لتشكيل حكومة وطنية فاعلة. هذه خلاصة جديرة بالتأمل لأصحاب الديمقراطيات الناشئة.
رغم عدم انتماء سينغ لعائلة غاندي المعروفة بقيادة حزب المؤتمر، غير أن الرجل اكتسب كاريزما على صعيد شبه القارة. ذلك إنجاز حققه سينغ بإصلاحاته الاقتصادية. تلك خطة ابتدرها عندما كان وزيراً للمالية في العام 1991. تلك الإصلاحات منحت المؤتمر أصوات 20% من طبقة أثرياء الهند. هذه شريحة انتزعها الحزب من قاعدة بهارتيا جاناثا التقليدية.
سينغ يقدم خدمات جليلة لراهول غاندي زعيم المؤتمر المرتقب. كأنما لا يقوى الحزب على الحياة بعيداً عن بريق الأسرة الهندية الأوسع شهرة. والدته سونيا الإيطالية الأصل، تجاوزت إطار السياسية المتردِّدة وأعادت رصّ صفوف أجنحة المؤتمر.الهند الموبوءة بكل أعراض تخلُّف العالم الثالث، تؤكد مجدداً قدرتها على ممارسة الديمقراطية على نسق مثير للدهشة وجدير بالاحترام.