عودة النووي الكوري إلى دائرة الاهتمام، تسلّط الضوء ليس فقط على هذا الملف المعقد؛ بل أيضاً على معضلة سلاح الدمار، ككل، وإشكاليات التعامل معها. التفجير الذي أجرته بيونغ يانغ، شغل العالم ومجلس الأمن؛ في الأيام الأخيرة. ليست هي المرة الأولى. منذ فترة وهذا الملف يطلّ ثم يغيب، ليعود ثانية إلى شاشة الاهتمامات. خاصة منذ التفجير الأول عام 2006. استعصى على المعالجة. الأسباب كثيرة ومعقدة.
ظروفه وخلفياته، أدخلته في دوّامة مأزق مستحكم. يعمّق من أزمته أنه مشتقّ، في الأساس، من مأزق تاريخي أكبر، يدور الملف النووي الدولي في حلقته ويتفاقم خطره. وكان من الواضح، أنه بقدر ما كان النادي الأصلي يتضخّم أو يسكت على التضخّم، بقدر ما كانت تنمو المشاريع المتناسلة عنه وتتوسّع بالتالي رقعته.
المشروع الكوري الشمالي، صارت قصته كالمسلسل المفتوح. ما أن تنتهي حلقة منه، حتى تبدأ الثانية. يقترب من طيّ صفحته، ثم فجأة يعود إلى المربع الأول. بدأ في 2006 بتفجير صغير. اليوم تطور إلى آخر، بقوة مضاعفة؛ مع تقدّم في تصنيع البلوتونيوم، كما في الصواريخ الباليستية. تسارع، جرى في ظلّ تأزم مزمن؛ في علاقات بيونغ يانغ مع واشنطن. خصومة قديمة بينهما، تعود إلى الحرب الكورية، وتقسيم شبه الجزيرة. كوريا الشمالية بلد صعب. نظامها مخشّب.
مسكون بالهواجس الأمنية. منها ما هو مفهوم. في تلك الحرب، طلب قائد القوات الأميركية، الجنرال دوغلاس مكارثر، موافقة البيت الأبيض على استخدام القنبلة النووية لفرض الاستسلام على الكوريين. رفض الرئيس الأميركي، ترومان، طلبه. على أثرها قرّر الرئيس كيم إيل سونغ، بعد التقسيم، العمل لامتلاك السلاح النووي. بعد عقود من السعي، تحقق حلمه. صارت القنبلة، بوليصة تأمين، لنظام الابن الموروث؛ والذي يبدو أنه يقف الآن على عتبة التوريث للحفيد. واشنطن، عام 1994، راودتها فكرة ضرب المنشآت النووية الكورية. لكن إدارة كلينتون اختارت الحوار وتوصّلت إلى اتفاق يقضي بتجميد المشروع. بعد مدة انهار الاتفاق. جاءت إدارة بوش وقطعت الخيط مع كوريا.
اعتمدت العقوبات والعزلة، ضدّها؛ لتعود، بعد التفجير الأول في 2006، إلى فتح باب الحوار معها. حصل اتفاق عام 2007، يقضي بالعزوف عن النووي. من شروطه، مراقبة دقيقة للتحقق من التزام كوريا. بعد أشهر رفضت هذه، شروط بوش. طارت الصفقة. وفي ابريل الماضي، أعلنت بيونغ يانغ إعادة تشغيل المفاعلات، لتقوم بالتفجير الأخير. الرئيس أوباما أعرب عن عزمه التصدي لهذا التطور. مجلس الأمن أدان التجربة. وربما تبع ذلك قرار بفرض عقوبات. الانزعاج شمل موسكو وبكين.
بيونغ يانغ تناور بورقة، لا يجوز اللعب بها. وقف التجارب النووية، لا يحتمل الجدل. وكذلك حظر انتشار سلاح الفناء. لكن مقاربة واشنطن، لا تقدّم معالجة شافية لهذا الخطر المتمدّد. تتعاطى معه من باب السياسة وحساباتها. عدا عن امتلاكها أكبر ترسانة نووية في العالم. تحمي ترسانة إسرائيل حتى من الإشارة إليها.
التبشير بفضائل عدم التسلح، لا يستقيم عندما يكون المبشر مسلحاً حتى أسنانه. ردع كوريا اليوم لا يحل المعضلة. العلاج في المنع وليس في الردع الانتقائي. اليوم كوريا، غداً بلد آخر. حظر الانتشار، إذا كانت هناك جدّية، مطلوب تطويره إلى حظر الامتلاك، للنووي. وكخطوة أولى، لماذا لا تصبح عضوية الدول في الأمم المتحدة مشروطة بانضمامها إلى وكالة الطاقة الدولية وخضوعها بالتالي للتفتيش وموجباته؟