في مثل هذا اليوم من عام 1942، أي في منتصف أحداث الحرب العالمية الثانية، كشر الانجليز عن أنيابهم أمام الألمان الذين ظلوا مخدرين بأفكار النازية التي أتى بها الفوهرر أدولف هتلر. أذاقوهم لأول مرة مرارة الحرب.
سماء ألمانيا منذ ذلك التاريخ صارت مباحة لكل طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني. الخراب والدمار لحق بالعديد من المدن الألمانية. وكانت مدينة كولونيا في قلب ألمانيا هي بداية الدمار الذي اكتوى به الألمان.
وراء ذلك الانجاز العسكري البريطاني.. رجل من أفضل قادة الحرب، وهو المارشال جو سير آرثر هاريس الذي كان وقتها قائدا لسلاح القاذفات البريطانية. ونفذ ما سميت بعملية الألفية التي انطلقت في ليل الثلاثين من مايو 42، ونفذتها أكثر من ألف طائرة أسقطت 1500 طن من القنابل على كولونيا على مدى 90 دقيقة فقط، وكان من نتائجها السريعة تشريد 45 ألف مدني ألماني، وسقوط 469 قتيلا من سكان المدينة.
وكان الهدف هو تدمير البنية الصناعية والكيماوية للألمان. ولم يخسر الانجليز في معركة كولونيا سوى 40 قاذفة، أي 4% فقط من القوة الجوية البريطانية التي ضربت المدينة. ثلاث سنوات من القصف البريطاني.
وكانت النتيجة دماراً شاملاً لحق بأنحاء ألمانيا التي خرجت من الحرب مكسورة الجناح في قبضة حلفاء تقاسموا أراضيها، فصار شرق البلاد للاتحاد السوفييتي وغربها للأميركيين والذين معهم من انجليز وفرنسيين وغيرهم ممن جمعتهم منظومة حلف شمال الأطلسي «الناتو».
قبل عامين من ضربات الانجليز الموجعة ضد الألمان، كانت بريطانيا حريصة على تجنب اللجوء إلى الضربات الجوية للمدن الألمانية، وذلك من منطلق أخلاقي وهو الحفاظ على أرواح المدنين من الألمان. ثم أصدرت القيادة البريطانية أوامرها لسلاح الجو لقصف الأهداف العسكرية الألمانية فقط كالمطارات والقواعد والثكنات العسكرية.
وفي ظل المعارك البرية الضارية التي شهدتها الحرب، حلق نجم عسكري جديد في سماء بريطانيا، وهو المارشال جو سير آرثر هاريس الذي تم تعيينه في الثاني والعشرين من فبراير 1942كقائد لسلاح القاذفات البريطانية. ومن خلاله دخلت بريطانيا مرحلة جديدة من الحرب ضد الألمان.اشتهر هذا القائد بلقب «القاذف».
فقد خطط هاريس لباكورة عملياته الجوية وهي عملية «الألفية»، والمقصود بها الألف قاذفة قنابل التي استخدمها لضرب كولونيا ضربة واحدة قاصمة. شاركت في العملية كل طائرات سلاح الجو بما فيها المستخدمة كطائرات للتدريب. كان الهدف من ضرب كولونيا هو تحطيم معنويات واقتصاد الألمان الذين كانوا في تلك الفترة يتفاخرون بإذلال الانجليز والفرنسيين.
فكر هاريس العسكري، قائم على نظرية نقل الحرب بأقصى سرعة إلى قلب أراضي العدو باستخدام سلاح الجو.وبالتالي إفقاد توازنه العسكري وتحطيم قواه المعنوية بضربة جوية مكثفة وسريعة في ليلة واحدة، وهو ما حدث لمدينة كولونيا التي حولتها طائرات سلاح الجو البريطاني إلى ركام وأنقاض.
عملية الألفية التي قادها سير هاريس.. كانت بمثابة صحوة ودفعة معنوية هائلة للانجليز ومعهم الحلفاء، خاصة وأن بريطانيا قبل مئة يوم تقريبا من العملية، تعرضت بريطانيا لأبشع وأسوأ هزيمة عسكرية في تاريخها الحديث. وأعظم ساستها على الإطلاق وهو رئيس وزرائها خلال الحرب ونستون تشرشل قال أنها من أكثر الهزائم مهانة على الإطلاق.
كان ذلك في الخامس عشر من فبراير 1942. وجاءت الهزيمة على يد اليابان التي كانت تملك أقوى جيوش العالم بعد ألمانيا النازية. وقبل شهرين فقط من ذلك التاريخ، كان اليابانيون قد ألحقوا بالولايات المتحدة أبشع هزيمة بحرية، بعد ان دمروا الأسطول الأميركي في ميناء بيرل هاربرفي ديسمبر 1941.
وهزيمة بريطانيا وقتها، تمثلت في سقوط مستعمرة سنغافورة في أيدي اليابانيين واستسلام 60 ألف جندي بريطاني وهندي واسترالي، وهو أكبر استسلام بريطاني في التاريخ. إلى جانب 70 ألفا من جنود الحلفاء كان قد أسرتهم القوات اليابانية خلال اجتياحها شبه جزيرة الملايو.
اليابان في تلك الفترة كانت تحت حكم دكتاتوري عسكري هدفه التوسع في الشرق الأقصى والمحيط الهادي. اذ بدأت باحتلال منشوريا في 1931. ثم احتلت في العام التالي شنغهاي وواصلت توسعها في الاقاليم الصينية على مدى عامين. ولم تجد مقاومة فعالة من جانب الصين التي كان يرأسها تشان كاي شيك الذي انشغل بالصراع مع الشيوعيين الذين قادهم ماو تسي تونغ.
واستغلت اليابان متاعب أوروبا العسكرية أمام القوات النازية، وواصلت توسعاتها بالمحيط الهادي على حساب المستعمرات الأوربية بهدف الاستيلاء على مصادر الثروة في جنوب شرقي آسيا، وكانت القيادة اليابانية وقتها تتحدث عن بناء إمبراطورية أسموها «المجال الأعظم للرفاهية المشتركة في جنوب شرقي آسيا».
عملية الألفية التي قادها المارشال هاريس، كانت أيضا بداية سلسلة الانتصارات البريطانية. فبعد حوالي ستة أشهر، خاض الانجليز أهم معاركهم البرية وهي معركة العلمين على الأراضي المصرية في نوفمبر 1942. كانت بين القوات ألمانية والإيطالية بقيادة رومل من جانب والقوات البريطانية بقيادة مونتجمري من جانب آخر. ووصفت بأنها من أهم معارك الدبابات على مدار التاريخ.