بريطانيا.. من أقدم الديمقراطيات البرلمانية في العالم. برلمانها المسمى بمجلس العموم والذي يطل على نهر التيمز في قلب مدينة الضباب.. هو أسمى سلطة في البلاد. يرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر، في عصر كان البارونات وأساقفة الكنيسة مسموح لهم بتقديم المشورة لملك انجلترا. هذا البرلمان العريق، يوصف على مر العصور بأنه النموذج الأمثل لكل برلمانات العالم لما يتمتع بمصداقية جعلته أقوى مجلس تشريعي في التاريخ المعاصر.
ولأن بريطانيا دولة ليست الديمقراطية فيها واجهة أو ديكورا تتجمل به.. ولأن صحافتها حرة غير مكبلة بل ملزمة بكشف الحقيقة ولا تخدع الرأي العام، ولأن برلمانها ليس «سيد قراره» ولا يضرب بالقيم الديمقراطية والسياسية عرض الحائط، ولأن الحصانة البرلمانية ليست درعا للعضو يحمي به مفاسده.. فقد كان طبيعيا أن تتزلزل الأرض من تحت بنيان مجلس العموم، وأن يضطر رئيسه مايكل مارتن الذي استمر في منصبه عشر سنوات إلى الاستقالة وهو يتوارى خجلا بسبب فضائح أفقدت الثقة بالبرلمان.
انها فضائح «نفقات الأعضاء» التي نالت من جميع الأحزاب الرئيسية والتي كشفت تفاصيلها الصحف البريطانية. فبعض الأعضاء بالمجلس الموقر.. اشتروا بأموال الشعب كل شيء.. من الفيلم الاباحي إلى مستلزمات الديكور الفاخر لمنازلهم. استغل أحدهم أموال دافعي الضرائب مثلا في إقامة جزيرة للبط في حوض مياه بحديقة منزله ! وآخر طلب راتباً سنوياً بلغ 14 ألف جنيه لخادم يرعى منزله. وطلب ثالث ألفي جنيه إسترليني لتنظيف نفق يحيط بمسكنه الريفي. بل ان منهم من طالب بنفقات لشراء سدادة حوض وطعام لكلبه!
المثير أن رواتب النواب في المجلس البالغ عددهم 646 تغطي تكاليف معيشتهم وتفيض. يحصل الواحد منهم على راتب سنوي 65 ألف جنيه إسترليني، لكنهم طالبوا أيضا بنفقات بلغت 93 مليون جنيه العام الماضي أي ما متوسطه 144 ألف جنيه لكل منهم. الفضائح، دفعت أحد وزراء الدولة من حزب العمال الذي يتزعمه غوردون براون إلى الاستقالة.
كما تم تعليق عضوية نائبين من حزب العمال واستقال مستشار لزعيم المعارضة المحافظ ديفيد كاميرون. ولم يكن أمام ساسة آخرين سوى إرجاع آلاف الجنيهات التي حصلوا عليها من المال العام لإنقاذ سمعتهم التي تلوثت أمام ناخبيهم وحتى تخف حدة السخط الذي ينتاب الرأي العام.. وكان لابد أن يخضع وزراء للتحقيق حول انتهاك قوانين النفقات، وأن يعتذر رئيس الحكومة باسم جميع الأحزاب السياسية، وأن يقول علنا أن مجلس العموم لن يدار بعد الآن كما لو انه ناد يحدد أعضاؤه نظمه.
بالنسبة لمارتن.. وصفته الصحف بأنه رئيس بيت العار ـ تقصد مجلس العموم ـ وهو أول رئيس للمجلس يتنحى منذ أكثر من 300 عام، أو بالتحديد منذ استقالة جون تريفور عام 1695. قال في بيان مُقتضب أمام نواب المجلس قرأه في 35 ثانية: « شعرت دوما أن المجلس يكون بأفضل حالاته عندما يكون موحَّدا.. وحفاظا على تلك الوحدة، قررت أن أتنحى عن منصبي ».
وقرر أيضا أن يتخلي عن مقعده في البرلمان عن منطقة غلاسجو إيست. مارتن وهو في الأصل عامل عصامي، بدأ تاريخه المهني وهو صبي في الخامسة عشرة من عمره وتاريخه النقابي بدأ وهو في الحادية والعشرين. لم يرتكب مخالفة تمسه شخصيا، ولكن خطأه أنه لم يدخل إصلاحات إلى نظام دفع فواتير النواب.
وهكذا الديمقراطية.. لا تتستر إطلاقاً على خطايا الساسة. ولذلك رحبت الصحافة باستقالته لكونها استقالةـ حسب رأي «إندبندنت»ـ تطيح برمز نافر لنظام قديم ملطخ. الكل أجمع على أن تنحيه انقاذ للسفينة البرلمانية التي كادت توشك على الغرق. وتراها الصحافة بداية ثورة على الفساد الذي بدأ يتفشى في بلد يحمل لقب أم البرلمانات والديمقراطيات في التاريخ الحديث.
حسن صابر