أثار تفجر الأوضاع في وادي سوات بباكستان خلال الفترة الأخيرة الكثير من المخاوف بشأن إمكانية أن تشهد المنطقة من جديد مرحلة من عدم الاستقرار. وازدادت هذه المخاوف جراء وقوع هذه التطورات أعقاب تزايد الآمال بإمكانية هدوء الأوضاع ليس في باكستان فقط وإنما في جارتها أفغانستان على وقع وصول إدارة أميركية جديدة إلى الحكم تبنت أطروحات وخططا بدت مغايرة على نحو كبير لخطط الإدارة السابقة.
وتكشف النظرة المتأنية لتطورات الموقف في باكستان عن أنه لا يمكن فصل ما يجري هناك عن مسلسل الأحداث الطويل في أفغانستان والذي يبدو أنه بات يمثل كابوسا للولايات المتحدة وحلفائها بشكل باتت معه أسئلة الخروج من هناك بشكل مشرف أمرا ملحا، الأمر الذي كانت إدارة بوش ألمحت إليه أخريات أيامها من خلال إعلانها إمكانية الحوار مع العناصر المعتدلة في طالبان أفغانستان.
أجندة مختلفة
ورغم أن الإدارة الجديدة برئاسة أوباما أعلنت عن قدومها بأجندة مختلفة تسعى إلى تهدئة الأوضاع على الجبهات المتوترة بفعل سياسات إدارة بوش، إلا أن رؤيتها بشأن أفغانستان بدت مختلفة بعض الشيء، حيث انه فيما أعلنت عن تأييدها لنهج الحوار وفق السياق الذي أشرنا إليه، إلا أن أوباما أعلن من ناحية أخرى عن زيادة عدد القوات الأميركية هناك في ذات الوقت الذي أكد فيه على سحب قوات من العراق، وهو ما أشار إلى أن الإدارة الجديدة ترغب في أن تبقى الأوضاع هناك مفتوحة على كل الاحتمالات رغم التقارير التي تشير إلى فداحة الخسائر التي يواجهها «ناتو» وأن تحقيق نصر حاسم على طالبان لم يعد أمرا ممكنا.
على أساس هذا الواقع جاء تسخين الأوضاع على الجبهة الباكستانية التي يبدو أن واشنطن رأت أنها تمثل القاعدة الخلفية لطالبان أفغانستان وأن التعاطي معها قد يكون أمرأ أكثر يسرا في ضوء قوة الحكومة المركزية في باكستان على عكس الموقف بالنسبة لوضع قرضاي الذي لا يتمتع بالسيطرة الكافية والقدرة العسكرية التي تمكنه من ضبط إيقاع حركة طالبان على أراضيه.
على هذا الطريق شنت الولايات المتحدة العديد من الهجمات العسكرية على مواقع في منطقة القبائل الباكستانية تحقيقا لخطة أوباما إضعاف عناصر القاعدة وطالبان هناك. وفي هذا الإطار دخلت قوات كوماندوز أميركية باكستان لمهاجمة أهداف محددة قرب الحدود الأفغانية في عملية أثار المخاوف آنذاك من أن تكون إيذانا بتوسيع نطاق الهجمات الأميركية داخل الأراضي الباكستانية. وتعززت هذه العمليات من خلال توسيع نطاق العمليات بدون طيار التي أسفرت عن مقتل العديد من المدنيين.
التخلي عن المواجهة
لقد جاءت هذه السياسة التي عكست قدرا من التوافق بين إدارتين أميركتين في ظل رؤية واشنطن أن باكستان لم تفعل ما يكفي لقتال المسلحين. غير أن مجموعة من العوامل ألقت بتأثيرها لجهة إقناع الإدارة الأميركية بالتخلي عن هذا النهج تتمثل في المخاوف من الأعمال الانتقامية من قبل عناصر المسلحين في حال استمرار الغارات ضدهم، هذا فضلا عن ردود الفعل الغاضبة والمظاهرات العفوية التي خرجت في منطقة القبائل للتنديد بالغارات.
وكذلك المخاوف من الانتقادات الدولية المتزايدة إزاء زيادة عدد القتلى من المدنيين. إلى جانب عامل آخر أكثر أهمية وهو الحساسية الباكستانية إزاء شن غارات على أراضيها دون حتى الترتيب معها وهو ما اعتبر على مستويات عديدة في إسلام آباد بما فيها مستويات السلطة انتهاك رسمي لسيادة البلاد.
من هنا كان البحث عن إستراتيجية بديلة تمثلت في ممارسة السلطات الباكستانية بنفسها سلطة ضبط الأوضاع على أراضيها وفقا لما تراه واشنطن، الأمر الذي صادف تحفظا باعتبار أن ذلك يمكن أن يكون له تأثيرات سلبية على الاستقرار في البلاد وقد يصل إلى مستوى حرب أهلية.
على هذا الأساس تمثلت رؤية إسلام آباد في محاولة التوصل إلى نوع من الحلول الوسط يتم بمقتضاها الخروج من المأزق الذي تجد نفسها فيه. ومن هنا كان الاتفاق مع طالبان باكستان في فبراير الماضي والذي يقضي بالسماح لها بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في وادي سوات. وفي الوقت ذاته العمل على طمأنة واشنطن بأن مقدرات الوضع في البلاد تحت السيطرة الأمر الذي اقتضى زيارة وزير الخارجية الباكستاني على خلفية هذا الهدف.
وإذا كانت هذه الخطوة قد لقيت صداها على صعيد طالبان باعتبار أنها مثلت اعترافا بوضعها الخاص فضلا عن إطلاق سيطرتها على الأوضاع في وادي سوات، فقد لقيت معارضة أميركية كبيرة بشكل انتهي بضغط أميركي كبير من أجل إثناء إسلام آباد عنها وكانت الورقة الأساسية التي تم رفعها في هذا المجال هو التلويح بالسيناريو الإيراني وأن ترك الأوضاع على ما هي عليه في باكستان قد تنتهي بسيطرة العناصر الدينية المتشددة هناك على الحكم في البلاد بشكل ينتهي إلى نظام أقرب إلى ذلك الموجود في طهران والذي يتخذ مواقف بالغة العداء تجاه الولايات المتحدة.
هذا فضلا عن المخاوف البالغة بشأن مصير السلاح النووي الذي تملكه باكستان. ورغم تأكيد مصادر مختلفة على أنه في أمان بإشراف أميركيين ـ والمرجح أنه كذلك ـ إلا أن مفاجآت المواقف غير مضمونة وتخشى واشنطن من أن تتطور الأوضاع فيما يتعلق بهذا الجانب على غير ما تخطط له.
قلق أميركي
وفي هذا الصدد سارعت واشنطن إلى الإعراب عن قلقها من الاتفاق وهو ما بدا في تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بالإعراب عن اعتقادها بأن الحكومة الباكستانية تخلت عن تلك المناطق لصالح طالبان ومن وصفتهم بالمتطرفين. وكذلك التصريحات التي وصف خلالها ريتشارد هولبروك المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان وباكستان من يسيطرون على الوضع في سوات بأنهم مجرمون وقطاع طرق ويشكلون خطرا ليس فقط على باكستان ولكن على الولايات المتحدة كذلك.
كانت تلك مؤشرات تعددت على رفض واشنطن لتطورات الأوضاع على الجبهة الباكستانية ورغبتها في إقدام قيادة إسلام آباد على اتخاذ خطوات ملموسة من أجل مواجهة ما تراه خطر طالبان باكستان، التي لم تكن أمرا ملحا في ظل إدارة بوش.
ومن الواضح أن الضغوط الأميركية التي مورست على باكستان كانت هائلة وتعززت خلال زيارة زرداري أوائل مايو الجاري لواشنطن، ووصلت إلى حد التلويح بالمعونات التي تتلقها من الولايات المتحدة أو تساعدها هذه الأخيرة في الحصول عليها من مانحين آخرين.
وفي هذا الخصوص أشارت صحيفة واشنطن بوست في دلالة لا تخفى على أحد على سبيل المثال إلى أن الاقتصاد الباكستاني يمكن أن ينهار لولا الدعم السخي الذي يتدفق على البلاد من الولايات المتحدة ودول أخرى حيث يصل إلى ما يتجاوز 3. 5 مليارات دولار. وفضلا عن أوراق ضغط أخرى عديدة يبدو أن إسلام آباد لم تجد أمامها مفرا من خوض غمار المواجهة مع طالبان في وادي سوات.
تراجع إسلام آباد
كان من نتاج هذه الضغوط بدء باكستان مراجعة الاتفاق مع طالبان وفي محاولة لتهدئة القلق الأميركي أعلنت وزيرة الإعلام الباكستانية أن الرئيس زرداري سينظر في أمر الاتفاق فيما اعتبر إشارة إلى إمكانية التراجع عنه رغم إشادة رئيس الوزراء رضا جيلاني به في مرحلة التوصل إليه. كان ذلك هو المدخل لمحاولة قلب الطاولة على طالبان باكستان من قبل النظام الذي توصل معها إلى الاتفاق باعتبار أن ذلك لا يترك مجالا سوى للغة السلاح لحسم الموقف.
ورغم أن باكستان تملك جيشا وفق بعض المصادر يزيد عن نصف مليون جندي والعتاد الذي يجعل اليد العليا بيد السلطات الرسمية، إلا أن هناك العديد من العوامل كانت تصعب مهمته تتمثل في العقيدة القتالية لدى عناصر طالبان والمتمثلة في إيمانهم بوجود هدف قوي يخوضون القتال من أجله، فضلا عن طبيعة المنطقة التي تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي منذ القدم.
لقد كان ذلك يصعب من مهمة القتال الأمر الذي كشفت عنه التطورات على أرض الواقع. فقد راح نحو 15 ألفا من قوات الأمن يقاتلون ما بين 4 إلى 5 آلاف من عناصر طالبان في وادي سوات، الأمر الذي أدى إلى نتائج كارثية تمثلت في مقتل أكثر من ألف شخص جراء القصف المدفعي الذي يقوم به الجيش فضلا عن بعض عمليات الإعدام التي نفذتها طالبان. الأكثر من ذلك أنه إزاء اتساع نطاق المواجهات حدثت موجة من النزوح في شكل مثل أزمة للبلاد. وقد قدر عدد النازحين بأكثر من مليون شخص حسب بعض التقديرات.
ورغم هدوء الأوضاع في سوات إلا أن ذلك لا يعتبر بأي حال نهاية المطاف، فقد وعد زرداري بإنهاء المهمة كما جرى التخطيط لها أو استسلام من وصفهم بالمتمردين، أما رئيس الوزراء رضا جيلاني فقد راح يصف مواقف طالبان بأنها تمثل رغبة في احتجاز البلاد رهينة تحت تهديد السلاح، في ذات الوقت الذي تتمسك فيه عناصر طالبان بما حققته من مكتسبات متمثلة في حكم وادي سوات.
وفي مقابل ذلك تواصل واشنطن ضغوطها من أجل الإجهاز على طالبان. وأمام هذا التنازع في الرغبات والطموحات السياسية بين الأطراف المختلفة يبقى مستقبل باكستان على المحك وسط مخاوف من أن تعصف به التطورات لتضعه في مهب الريح، الأمر الذي يبقى رهنا بمدى حكمة الباكستانيين حكاما ومحكومين.
مصطفى عبدالرازق