توقفت في الجزء الأول من المقال الذي نشر السبت الماضي عند القضية الأولى التي تتصل بتوضيح وتصحيح فهمنا لاتفاق سايكس ـ بيكو، ولما تبعه من وقائع وأحداث في عالمنا العربي. وهو توضيح أردت منه أن أشير إلى الفهم الخاطئ، لهذا الاتفاق ولنتائجه، الذي ترتبت عليه الإعاقة الأولى في تحقيق ما نطمح إليه من إقامة اتحاد عربي، كصيغة موضوعية وواقعية للوحدة العربية المنشودة. أنتقل الآن إلى القضية الثانية التي تشكل إعاقة إضافية لتحقيق ما نجحت الدول الأوروبية في إقامته، أعني «الاتحاد العربي».

هذه القضية هي التي تتصل بالأقليات القومية في بلداننا. والأقليات هذه هي أقليات قومية ذات تاريخ عريق في وجودها الأصلي، وفي وجودها في بلداننا كجزء من مكوناتها، قديماً وحديثاً. وبعض هذه الأقليات القومية يعتنق الديانة الإسلامية، كالأكراد في العراق وسوريا ولبنان، والأمازيغ في شمال أفريقيا. في حين أن البعض الآخر منها يعتنق ديانات غير إسلامية. فسكان جنوب السودان يعتنق القسم الأساسي منهم الديانة المسيحية، ويعتنق قسم آخر منهم ديانات لا هي إسلامية ولا هي مسيحية.

وبعض أهل العراق من هذه الأقليات يعتنقون كذلك ديانات لا هي إسلامية ولا هي مسيحية. وهي خصوصيات لهذه القوميات، تعبّر عن تاريخ تكونها كقوميات ذات هوية ثقافية تميزها عن سواها من القوميات، وعن القومية العربية تحديداً، التي هي القومية الأكبر في بلداننا. علماً بأن بعض هذه الأقليات، التي شاركت القومية العربية في جزء كبير من تاريخها، وعانت معها كل أنواع الآلام في ظل السلطنة العثمانية وفي ظل السيطرة الاستعمارية الأوروبية، إنما تعود في تاريخ وجودها وتكونها إلى حقب سابقة بقرون عديدة على ظهور الإسلام، الذي أعطى للقومية العربية وزنها ودورها على الصعيد الكوني. وقدَّم لها عناصر أساسية لتكوين الحضارة العربية الإسلامية، التي تصنف اليوم كواحدة من الحضارات الإنسانية الكبرى.

وكان للمسيحية المشرقية دور في إغناء هذه الحضارة منذ البدايات. ولم ينشأ في التاريخ العربي، الذي أدَّت الفتوحات الإسلامية فيه إلى انضمام شعوب ذات حضارات قديمة إلى أسرة الشعوب العربية ـ هي شعوب شمال وجنوب أفريقيا الممتدة حدودها من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر ـ لم ينشأ أي تناقض بين هذه الحضارات القومية غير العربية وبين الحضارة العربية الجديدة. فمن أين، إذن، جاء هذا التناقض الراهن الذي تحول إلى حروب مدمرة.

ومن مفارقات أحداث التاريخ العربي أن صلاح الدين الأيوبي الكردي كان أحد القادة الكبار في حروب العرب والمسلمين مع الصليبيين. وقد نسي العرب أن زعيمهم التاريخي هو ينتمي إلى القومية الكردية التي مارسوا، عندما أصبحت لهم دول مستقلة، كل أنواع الاضطهاد ضدها. إن هذا التناقض المفتعل بين القومية العربية والأقليات القومية هو الذي أدى ويؤدي إلى تعثُّر عملية تكوين حقيقي ومتكامل للدول الوطنية في بلداننا، والى التعثر الراهن في خلق الشروط لتكوين اتحاد حقيقي بين القومية العربية والأقليات القومية في البلدان المتعددة القوميات، وإلى تحقيق اتحاد في صيغة من الصيغ المعاصرة بين هذه البلدان العربية جميعها.

الانتماء لهوية قومية وثقافية لا يتحدد بالكلام

لماذا لم تتحول الجامعة العربية إلى اتحاد عربي؟ 2 - 2

لا يمكن للسياسة التي تقوم على تجاهل حقوق الأقليات القومية من قبل القومية العربية، باسم الحركات السياسية التي تحمل لواءها ولواء الأمة العربية، والاستمرار في قهرها وإذلالها وخوض الحروب المدمرة ضدها، أن توصل القومية العربية والقوميين العرب المعاصرين إلى تحقيق مبتغاهم في إقامة الوحدة بين البلدان العربية، حتى في أبسط وأدنى أشكال هذه الوحدة.

بل إن الاستمرار في هذه السياسة سيجعل القومية العربية ذاتها، وما يتصل بالمفاهيم المعبرة عنها، تضعف، وتتلاشى الروابط التي توحد بين مكوناتها. لا بد، إذن، من سياسة جديدة وراقية وحضارية في التعامل والتكامل بين القومية العربية والأقليات القومية، بواقعية، ومن دون أي خلل من النوع الذي شهدناه خلال هذه العقود الطويلة من تاريخنا الحديث.

أما القضية الثالثة من بين القضايا التي أردنا توضيح وتصحيح الموقف منها فهي القضية التي تتعلق بالسعي الحثيث، منذ الأعوام الأولى للاستقلال، استمراراً لمراحل سابقة على الاستقلال، من أجل تشكيل دولة قومية، في صيغة الدولة ـ الأمة، لم تكن متوفرة عناصر تشكُّلها.

وكان هذا السعي الطوباوي يحصل حتى قبل أن تستكمل الكيانات العربية الجديدة الناشئة عناصر تكونها. وكانت الدعوات إلى الوحدة تنطلق من طموح عاطفي في اتجاه تجاوز المراحل الضرورية، التي لا يمكن تجاوزها. ذلك أن محاولة تجاوز هذه المراحل بالقسر هو مناقض للقوانين الموضوعية التي يشكل تمرحل التاريخ أبرز تعبير عنها.

موقف عدمي

والجوهري في هذا الموقف العدمي القومي إنما يتمثل في أنَّ دعاة الوحدة العربية الاندماجية الفورية كانوا يرفضون الاعتراف بالكيانات العربية القائمة، زاعمين أنها كيانات مصطنعة، بمعنى أنها وليدة اتفاق سايكس ـ بيكو، وأنها، لكونها كيانات اصطنعها الأجنبي، فمن الضروري، احتراماً للانتماء القومي وفق مفهومهم لهذا الانتماء، أن تزول هذه الكيانات لصالح الاندماج في الوحدة المنشودة.

وكان ذلك الموقف، عند هؤلاء الدعاة للوحدة، تعبيراً عن طفولية سياسية، أرادوا بها أن يستعجلوا الارتقاء إلى صفوف الدول الكبرى، من دون أن تكون لديهم فكرة عن معنى أن تكون دولة كبيرة ما دولة كبيرة بالمعنى الواقعي لمفهوم الدولة الكبيرة. ذلك أن كون بلداننا كبيرة بعدد سكانها، وكبيرة برقعتها الجغرافية من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وعلى طول الضفة الغربية للبحر المتوسط، وعلى جزء صغير من الضفة الشرقية منه، وصولاً إلى القرن الأفريقي، وعلى امتداد ضفتي البحر الأحمر، لا يجعلها، حتى عندما تتوحد، وقبل أن تستكمل عناصر قوتها، دولة كبيرة بهذا المعنى.

وهذا بالتحديد ما رميت إليه بتوصيف ذلك الموقف من الوحدة، عند بعض مدعي النضال من أجل تحقيقها، بأنه طفولية سياسية. ولست أعترض هنا على الطموح، فالطموح أمر مشروع، لا اعتراض مبدئياً عليه. لكن الطموح لتحقيق أمر ما هو شيء، والعوائق التي يجب تذليلها، والشروط التي يجب إنضاجها لتحقيق ذلك الطموح، شيء آخر.

غير أن دعاة الوحدة هؤلاء لم يكونوا، بأحزابهم وبتنظيماتهم، إلاَّ جزءاً من المشكلة الكبيرة التي تولدت على امتداد العقود الثمانية التي انقضت، العقود التي تتشكَّل منها حقبة الاستقلال التي انتقلت إليها البلدان العربية تباعاً الواحدة منها تلو الأخرى. فقد كان، إلى جانب ذلك الموقف العاطفي والعفوي المشروع من الوحدة، طموح من نوع آخر عند بلدان عربية كبيرة، طموح كان يرمي أصحابه من ورائه إلى تعزيز وتوسيع دائرة نفوذهم، باسم الوحدة.

حكم متعسف

وكان ذلك يقضي بضم دول عربية صغيرة إلى دول عربية كبيرة. ورغم أن إطلاق هذا الحكم يحمل بعض التعسف، إذا ما نحن أعطيناه صفة الإطلاق، فإننا لا نستطيع إلاَّ أن نرى أنَّ تطور الأوضاع والتجارب والأحداث والوقائع، من قديمها إلى حديثها، قد حوَّل ذلك الطموح القومي إلى نقيضه. ولم تكن الوحدة المصرية ـ السورية إلا نموذجاً لفشل التجربة الوحدوية الأولى من أساسها، بسبب التعسف في قيامها في تلك الصيغة الاندماجية، التي لم تجر فيها مراعاة الشروط الموضوعية والخصوصيات التي لا يمكن تجاوزها.

وتشير العلاقة التي نشأت بين سوريا ولبنان بعد توقيع اتفاق الطائف (1989) إلى هذا المعنى القديم ذاته من الإشكالية والتعسف. إذ أعطى القادة السوريون لوجودهم المؤقت في لبنان، بتكليف من الدول العربية ومن المجتمع الدولي لإنهاء الحرب الأهلية من خلال اتفاق الطائف، صفة الوصاية الدائمة على هذا البلد، والتحكم به وبمقدراته وإلحاقه تدريجياً بسوريا، وبنظامها الاستبدادي، ضد إرادة شعبه، بما في ذلك بأبشع وسائل القسر.

والأمثلة على ذلك كثيرة. وكانت تلك الوصاية ذاتها شكلاً فظاً من أشكال التدمير للعلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين الجارين. أما غزو العراق للكويت فكان الأكثر تعسفاً والأكثر إيلاماً، والأكثر تدميراً للعراق تحديداً، شعباً ودولة. وظلت مفاعيل هذا الغزو تتواصل وتتفاقم إلى أن انتهت باحتلال العراق من قبل أميركا وحلفائها. وهي مفاعيل لم تنته فصولاً.

ولقد التقت هذه النماذج الثلاثة، موضوعياً، حول ما اعتبر، بحق أحياناً وبغير حق أحياناً أخرى، اتجاهاً نحو وحدة الأمة العربية. لكن هذه النماذج، برغم الاختلاف النوعي بين كل منها، قد أساءت، في نهاية المطاف، لكونها جرت في الاتجاه غير الصحيح، وبالقسر، أساءت إلى المشاعر الشعبية المشروعة نحو تحقيق الوحدة.

والمشاعر الشعبية هذه، وهي حقيقية، كانت تتطلب وعياً من قبل القيادات السياسية، في السلطات وخارجها، لكيفية تحويل هذه المشاعر إلى وقائع، وذلك من خلال صيغة واقعية للوحدة تحترم خصوصيات كل من البلدان العربية، وتتطابق مع شروط العصر. بل إن هذه النماذج قد أساءت إلى فكرة الوحدة ذاتها. وخلقت صعوبات حقيقية أمام قيام الوحدة وأمام سبل تحقيقها، وأمام الأهداف المرتبطة بقيامها. فضلاً عن أنها شكلت تعارضاً مع ما تشير إليه تحولات العصر، التي تقود بلداناً عديدة في مناطق مختلفة من العالم إلى تشكيل وحدات كبرى مثل الوحدة الأوروبية، كأبرز وأرقى مثال لهذا النوع من الوحدات.

انكفاء الدول الصغيرة

وواضح، في ضوء معايشتي للتجارب الوحدوية ولأفكارها قديماً وحديثاً في عالمنا العربي، أن سيطرة النماذج المشار إليها آنفاً في موضوع الوحدة قد أدت إلى انكفاء الدول الصغيرة على ذاتها، ورفض الانسياق وراء أي من المشاريع الداعية لتشكيل دولة عربية موحَّدة، أو اتحاد عربي من نوع الاتحادات التي تشكلت، أو تلك الآخذة في التشكل، في مناطق أخرى في العالم. واتجه قادة هذه الدول، في الحكم أو في المعارضة، أو في كليهما معاً، نحو تعزيز كيانات بلدانهم، حتى في ظل أنظمة الاستبداد، أو في صيغ أخرى أقل فردية وتعسفاً.

لكن أنظمة الاستبداد، التي سيطرت بنهجها وبسياساتها على الحياة السياسية العربية برمَّتها، قد شكَّلت السبب الأساس في تخلُّف دولنا وفي تفكك مجتمعاتنا. وأدت، في الوقت عينه، إلى تراجع فكرة الوحدة إلى آخر اهتمامات الشعوب العربية.

وبقي الحديث عن الوحدة محصوراً في كواليس مجموعات محدودة، ظلَّت تحتفظ بعناد بالأفكار القديمة ذاتها، وبالشعارات، وبالأوهام المتصلة بها، والمعبرة عنها. وظلت تردد هذه المجموعات، في الاجتماعات المتكررة التي تعقدها، صدى أصوات خطابات أفرادها الرنانة المدويّة، وصدى أوهام أحلامها القديمة، السلفية الطابع والمضمون.

وبدا وكأنها لم تتعلم من كل ما حصل من هزائم ونكسات، ومن تراجع وانهيارات، ومن استبداد وتخلف وفساد وإفساد، ومن دمار مادي وروحي. ولم تتعظ هذه المجموعات مما أدت إليه جميع هذه الأمور من استدعاء للقوى الخارجية ذات الأهداف التوسعية للتدخل الفظ في شؤوننا، ومحاولة فرض إرادتها علينا، وسعيها المعلن والمضمر للتحكم بمصائرنا.

إلا أنَّ الخطأ الفادح في كل مسيرة الوحدة العربية إنما يتمثل في أمرين أساسيين، من جملة أمور هامة: الأمر الأول هو الموقف المتمادي في سلبيته عند دعاة الوحدة في التقليل من أهمية وضرورة احترام خصوصيات البلدان العربية والعمل على تطوير كياناتها، كشرط ضروري للذهاب في الطريق إلى الوحدة أو الإتحاد.

الأمر الثاني هو إصرار هؤلاء على عدم الاعتراف للأقليات القومية بحقوقها القومية. علماً بأنَّ الاعتراف بهذه الحقوق هو شرط أساسي لكي تندمج هذه الأقليات في بناء الدولة، التي تشارك القومية العربية في الانتماء إليها، بدل التفكير بالانفصال، كحق تعطيها إياه الشرعة العالمية لحقوق الإنسان.

هذا الخطأ بشقيه، وأخطاء أخرى كثيرة تضاف إليه، هو الذي جعل بلداننا، من حيث كونها مؤهلة بمكوناتها التاريخية والثقافية، ومن حيث كونها في حالة تخلف متفاقمة، جعلها تتراجع وتتخلف عن تحقيق وحدتها في الصيغة الديمقراطية المعاصرة. فإن تحقيق مثل هذه الصيغة هو وحده الذي يجعل بلداننا تدخل في الحركة التاريخية القائمة في العالم المعاصر، المتمثلة بإنشاء وحدات كبرى. فإنشاء مثل هذه الاتحادات الإقليمية الكبرى هو الذي سيؤدي إلى الإسهام في توحُّد العالم، كعملية تاريخية موضوعية.

واجب المناضلين الحقيقيين

إن ما تقدم من أفكار وملاحظات حول الوحدة العربية وشروط قيامها يستدعي من المناضلين الحقيقيين، من أجل تحرر بلداننا من الاستبداد ومن الظلامية، ومن أجل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، أن ينخرطوا في عملية إعادة صياغة فكرة الوحدة على أسس واقعية ومعاصرة، ديمقراطية في شكلها وفي جوهرها، وفي عملية إنضاج الشروط لإقامة «الاتحاد العربي» على غرار الاتحادات القائمة، والاتحادات التي تتهيأ للقيام.

وإني لأتذكر، في هذا السياق من الطموح إلى إنشاء هذا الاتحاد، ما دعا إليه الشيوعيون اللبنانيون والسوريون والفلسطينيون في عام 1931، في اجتماع خاص عقدوه للبحث في المهمات المطروحة أمامهم في ذلك التاريخ. فقد حرروا وثيقة تاريخية دعوا فيها بوضوح إلى ضرورة أن يناضل الشيوعيون العرب مع كل الوطنيين من أجل تحرير بلداننا العربية من الاستعمار، وإنشاء دولها المستقلة، وتشكيل اتحاد عربي على أساس الخيار الحر، وعلى قاعدة النضال من أجل الاستقلال، ومن أجل التقدم، ومن أجل حماية مصالح الشغيلة في المدينة والريف وسائر جماهير شعوبنا.

وفيما يلي النص الحرفي للفقرة الخاصة بموضوع الوحدة العربية في هذه الوثيقة: «إن طموح الجماهير الشعبية العربية هو إلى الوحدة القومية ضمن حدود للدول تقام، ليس حسب تعليمات الإمبريالية، بل على أساس القرار النابع من هذه الجماهير ذاتها والمتخذ بحرية والمرتبط بلا فكاك بطموحها للتخلص من نير الإمبريالية، الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والأسبانية.

إن الجماهير الشعبية العربية تشعر أنه يتوجب عليها من أجل إلغاء نير الإمبريالية، أن توحد جهودها في ما هو مشترك بينها من وحدة اللغة والشروط التاريخية، واضعة نصب عينيها عدوها المشترك. إن تلاحم هذه الجماهير في النضال الثوري ضد الإمبريالية واتساع نضالها هذا، يظهران أنه تتوفر لدى الشعوب العربية كل الشروط التي لا غنى عنها من أجل إزالة النير الإمبريالي، والحصول على الاستقلال الوطني وخلق دول عربية تتمكن بعد ذلك، على أساس قرار متخذ بحرية، أن تتوحد على أسس فدرالية».

وقد ظلَّ هذا الموقف على الدوام موقف الشيوعيين في كل العهود، اللبنانيين منهم على وجه الخصوص، برغم بعض مظاهر التزمت التي وقعوا فيها في بعض المراحل، ودفعوا ثمناً باهظاً من جرائها. وقد جاء في برنامج الحزب الشيوعي اللبناني، الذي أقرّه المؤتمر الثاني للحزب (1968) في أعقاب معركة التجديد التي خاضها الجيل الجديد في الحزب، في الفصل المكرس للوحدة العربية بالنص: «إن طموح الجماهير العربية الواسعة إلى الوحدة هو وليد الواقع الموضوعي لتطور العالم العربي وللروابط التاريخية بين مختلف أجزائه. فقد انطلقت فكرة الوحدة العربية مع بدء الحركة العربية المعادية للسيطرة الأجنبية.

وكان مفهومها يتطور مع تطور هذه الحركة في مختلف مراحلها. ففي أواخر القرن التاسع عشر كان يتكامل مفهوم القومية العربية عند الفئات المتقدمة من المثقفين، تحت تأثير الوحدات القومية في أوروبا، ومفاهيمها التي نشأت مع بدء تكوّن البرجوازية».

قاعدة الديمقراطية

وتكرّس هذا الموقف للحزب الشيوعي اللبناني في مؤتمره السادس (1992)، لكن في صورة أكثر وضوحاً، وعلى قاعدة الديمقراطية. وفيما يلي نص الفقرة التي تحدد مفهوم الحزب للوحدة العربية: «إن التغيرات التي طرأت وتطرأ على الوضع العربي، والمهمات الجديدة القديمة، إنما تؤكد ولا تنفي حاجة البلدان العربية بعضها إلى بعض. غير أن الجديد الذي لا بد من البحث الجدي والعميق من أجل صياغته هو طبيعة ونوع هذه العلاقات.

فقد أثبتت الأحداث والتطورات، خلال هذه الأعوام الطويلة من النضال تحت شعار تحقيق الوحدة العربية، أنه بمقدار ما كان الشعار صحيحاً من حيث المبدأ والاتجاه والهدف، فإنه كان خاطئاً من حيث الفكر والممارسة، ولا سيما من حيث الشروع في تجارب متسرعة مفتعلة لم تؤد إلا إلى عكس ما كانت ترمي إليه.

من هنا ضرورة إعادة صياغة جديدة لمفهوم الوحدة العربية. ولا بد في الصياغة الجديدة هذه من التحرر الكامل من الغيبية والسلفية واللاعقلانية، والتحرر من عقلية تغليب المشاعر والإرادات على الواقع. فالوحدة العربية ليست شكلاً محدداً ولا صيغة دستورية محددة. بل هي محصلة حقيقية لتطورات، ولتقاطع مصالح، ولأوضاع ملموسة، ولإرادات شعوب تعبّر عن ذاتها، بوعي كامل، وعلى أساس ديمقراطي، ومن دون إكراه».

الجواب، إذن، عن السؤال الذي طرحته في مطالع هذا البحث، يتلخص في أن علينا أن نعرف كيف نثبت أننا عرب، لا بالكلام عن ماضٍ قديم، ولا بالشعارات الشعبوية والديماغوجية الفارغة من مضامينها. بل إن هذا الجواب إنما يتم على مرحلتين، ووفق شروط لا بد من توفرها. المرحلة الأولى تتمثل في استكمال بناء الدول الوطنية في كل بلد من بلداننا على قاعدة الديمقراطية، والتأكيد على جوهر العلاقة التاريخية والثقافية بين هذه الدول، كشكل من أشكال الانتماء إلى قومية عربية جامعة.

المرحلة الثانية تتمثل في العمل بواقعية، وعلى قاعدة الديمقراطية واحترام خصوصيات كل بلد، لتطوير وتوسيع العلاقات بين هذه الدول، في التكامل الاقتصادي، أولاً، ثم في سائر المجالات التي تعبر عن المصالح المشتركة. وحين تستكمل هاتان المرحلتان شروطهما يصبح من الممكن البحث عملياً، وبالتدريج، من أجل إقامة «الاتحاد العربي»، سواء بمشاركة كل الدول العربية، أم بالاتفاق، كمرحلة أولى، بين عدد من الدول الناضجة فيها الشروط لتأسيس هذا الإتحاد.

ضرورة الإصلاح السياسي

والواقعية والديمقراطية تشترطان، بالضرورة، القيام بإصلاح سياسي شامل في جميع البلدان العربية، من دون استثناء، قبل الشروع في تأسيس هذا الاتحاد. ولهذا الإصلاح عناوين عديدة، أهمها التخلص من نظام الاستبداد، والبدء بإقامة الدولة الحديثة القائمة على قواعد الديمقراطية، دولة الحق والقانون والمؤسسات والمواطنة.

خلاصة ما أريد التأكيد عليه، في ختام هذا البحث حول معنى أن نكون نحن العرب عرباً، هو أن الانتماء إلى هوية قومية وثقافية لا يتحدد بالكلام، وبالصراخ، وبالشعارات الجوفاء بل هو يتحدد، وفق المعايير المعاصرة، باتخاذ الإجراءات التي تجعل لهذا الانتماء معنى واضحاً في الفكر وفي السلوك، ثقافياً وسياسياً، على قاعدة الحرية وليس على قاعدة الاستبداد. هذا أولاً.

ثم أنه يتحدد، بالتالي، بجعل هذا الانتماء مرتبطاً بالعصر وبتحولاته، وبالمفاهيم الجديدة التي ترتبط بهذه التحولات، وأهمها هو أن العالم المعاصر هو محصلة لمجموعة من الثقافات المتفاعلة فيما بينها. وهو التفاعل الذي سيقود العالم، بالتدريج، وبسرعة كبيرة، نحو وحدته في التنوع، ونحو حضارة إنسانية جديدة تعبر عن هذه الوحدة.

كريم مروة