منذ قيام إسرائيل رفعت شعار «من النيل إلى الفرات» تعبيراً عن استمرار الطموحات الصهيونية في تأسيس إمبراطورية على أجساد وجثامين العرب، ولهذا طبقت شعار «العربي الطيب هو العربي الميت»، كي تتمكن من تحقيق أهدافها التوسعية الكبرى، ولذا لم يكن غريباً أن تستند إلى الإرهاب كأحد أعمدة الدولة، ومارسته في كل مراحل صراعاتها مع العرب بداية من مذابح دير ياسين وبحر البقر وصابرا وشاتيلا وقانا، ثم مؤخراً مدرسة الفاخورة في غزة.
اليوم وبعد 61 عاماً من اغتصاب فلسطين عجزت إسرائيل كلية عن تحقيق هذا المشروع التوسعي، وتبدو اليوم كمن ينزوي إلى داخل حدود دولة الجيتو، وسط شواهد متعددة على تآكل مشروع إسرائيل الكبرى، من دون إغفال استمرارها في ارتكاب المجازر والحروب.
مظاهر العجز الإسرائيلي
هذا العجز عبرت عنه إسرائيل على لسان بعض ساستها في السنوات الأخيرة، كما عكس نفسه في إجراءات حمائية على الأرض. وكان ابراهام بورج رئيس الكنيست السابق أول من نبه علناً إلى هذا الواقع في مقال كتبه في صحيفة اللوموند الفرنسية في سبتمبر من العام 2003، وهو شخصية خدمت الحلم الصهيوني بإخلاص من خلال عدة مواقع كان منها رئاسة الوكالة اليهودية، وهو موقع رفيع لا يشغله إلا موثوق فيه من الحركة الصهيونية العالمية.
دعا بورج الإسرائيليين إلى التخلي عن حلم إسرائيل الكبرى إذا أرادوا العيش بسلام مع الفلسطينيين والعرب قائلاً ان «الحركة الصهيونية ماتت وشبعت موتاً». وقد أحدث المقال صدى كبيراً، إذ اعتبر دليلاً على المأزق الصهيوني.
وفي الخامس عشر من سبتمبر2008 قال إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل، خلال اجتماع لمجلس الوزراء «ان فكرة إسرائيل الكبرى قد ماتت، ومن يتحدث عنها واهم»، داعياً إلى حل الدولتين مع الفلسطينيين. وعلى الرغم من وصف البعض هذه التصريحات بأنها صحوة ضمير متأخرة من جانبه، إلا أن هذه التصريحات كانت أيضاً انعكاساً للمأزق الصهيوني.
وفي هذا السياق لا يمكن النظر الآن إلى دعوة بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، وجوزيف ليبرمان وزير خارجيته بشأن الدولة اليهودية الخالصة، إلا ضمن هذا المأزق. وهذه الدعوة سبق إليها كل من تسيبي ليفني رئيسة حزب كاديما ووزيرة الخارجية السابقة، ومعلمها أرييل شارون.
وعلى صعيد الأفعال كان بناء إسرائيل للجدار العازل إعلاناً واضحاً عن فشل مشروع إسرائيل الكبرى. فالجدار، وان كان قد استهدف تعيين حدود إسرائيل حسبما تراها هي، فانه في عميق معناه كان اعترافاً صريحاً بفشل الحلم الصهيوني، فمعه تقوقعت إسرائيل في جيتو محدود لخص سقوط الأوهام.
الفضل للمقاومة العربية
ويعد تراجع المشروع الصهيوني على الأرض نجاحاً شارك فيه كل عربي، فالتضحيات التي بذلتها الشعوب العربية على مدى الواحد والستين عاماً الماضية لم تذهب سدى، رغم المشهد العربي القاتم في بعض الأحيان، ويمكن إرجاع هذا النجاح العربي عاملي الصمود الفلسطيني والمقاومة العربية في معناها الأشمل:
(1) كان الصمود الفلسطيني خلال الستين عاماً الماضية العامل الحاسم في إيصال المشروع الصهيوني إلى هذا الفشل، فقد بقى الفلسطينيون صامدون في أرضهم يقاومون كل محاولات الاقتلاع، ونجحوا بصمودهم في إقناع العالم بعدالة قضيتهم.
(2) أما على صعيد المقاومة، فقد مارس العرب فعل المقاومة رسمياً وشعبياً عبر عدة أشكال، جمعت بين المقاومة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية:
* بدأت المقاومة العسكرية بالحروب التي خاضتها الجيوش والشعوب العربية، خاصة في مصر وسوريا والأردن ضد إسرائيل. وكان لهذه الحروب، رغم ما صاحب بعضها من هزائم، فضل إيقاظ الجميع وتنبيههم لخطورة المشروع الصهيوني. وفي فلسطين ابتكر الشعب مقاومته الوطنية بتشكيل منظمة التحرير، وخاض الانتفاضتين الأولى والثانية، ومع ظهور حركات المقاومة الإسلامية انتقلت مقاومة إسرائيل من الخارج إلى الداخل في كل الميادين. وفي لبنان لعب حزب الله دوراً محورياً في إجهاض المشروع التوسعي الإسرائيلي ضد لبنان.
ومع لجوء دول عربية إلى السلام مع إسرائيل حملت المقاومتين الفلسطينية واللبنانية عبء التصدي للمشروع الصهيوني، فخاضت المقاومة في لبنان بقيادة حزب الله حرباً شرسة ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وكذلك فعلت حركات المقاومة الفلسطينية في غزة بقيادة حركة حماس. وقد أجبرت المقاومتان إسرائيل على الانسحاب من الجنوب، ومن قطاع غزة أحادياً، في هرولة مزدوجة اعتبرت هزيمتين عسكريتين لها، ثم تكرر الأمر في حرب يوليو 2006 التي خاضتها إسرائيل ضد لبنان، والحرب التي خاضتها في ديسمبر2008 ضد قطاع غزة. وفي الحربين انهزمت إسرائيل عسكرياً أيضاً، وأجبرت أيضاً على وقف القتال من جانب واحد لعجزها عن انجاز أهدافها عسكرياً.
* وفي الميدان الاقتصادي خاضت الدول والشعوب العربية معركة اقتصادية طويلة ضد إسرائيل من خلال مكتب المقاطعة الذي أنشأته الجامعة العربية عام 1951. وظلت هذه المقاطعة سارية حتى أقدمت بعض الدول العربية على توقيع معاهدات صلح مع إسرائيل مما اعتبر اختراقاً للمقاطعة. وقد أدت هذه المقاومة الاقتصادية إلى تكبيد الاقتصاد الإسرائيلي نحو تسعين مليار دولار حتى العام 1991.
* ونجحت جهود المقاومة الثقافية عربياً في التوعية بمخاطر المشروع الإسرائيلي، مما ساهم في إيجاد رابطة عربية جامعة تتفق على ضرورة مقاومة المشروع الصهيوني برمته، عبر استدعاء كل مكونات الوعي العربي. وتجلت المحصلة بوضوح عند توجه السياسة الرسمية العربية إلى الصلح مع إسرائيل، إذ تولت الشعوب زمام المقاومة، فبدأت حملات واسعة ترفض التطبيع مع العدو الصهيوني، مما حول الصلح إلى حالة رسمية هشة ومحدودة، وساهم في تحجيم المخاطر الصهيونية.
النظام الرسمي نقطة الضعف
وعلى الرغم من النجاحات العربية في حصار المشروع الصهيوني طوال العقود الماضية، إلا ان توجهات النظام الرسمي العربي تعد نقطة الضعف الأساسية الآن، ففي الوقت الذي يتم فيه حصار هذا المشروع شعبياً، ونجاح حركات المقاومة العربية في تحقيق انجازات متعددة منها هزيمته عسكرياً ومحاصرتها اقتصادياً ونبذها ثقافياً، فان النظام الرسمي العربي لايزال يقدم خدماته المجانية لها، والتي تمثل قبلات إنعاش للمشروع الصهيوني التوسعي على ذات الصعد، ويتجلى ذلك على محورين:
* الأول: التآمر ضد حركات المقاومة العربية المسلحة، وذلك خلال خنقها اقتصادياً، ومنع السلاح عنها، والتشكيك في ولاءاتها العقائدية والوطنية.
* الثاني: تشرذم النظام الرسمي العربي عبر الهرولة غير المنضبطة إلى موائد المفاوضات مع إسرائيل، فرادى وجماعات، سراً وعلانية، مباشرة أو من خلال وسطاء، وذلك دون أن ينجح العرب في تحديد تصورهم للصلح مع إسرائيل، ومن دون اتفاق واضح بينهم على الأهداف التي يرمون إليها من وراء ذلك، في ظل غياب استراتيجية عربية واضحة. وما أثير حول مبادرة السلام العربية خير دليل، وكذلك أيضاً الحديث المستجد حول إمكانية تعديل بنود المبادرة كي تلبي طلبات إسرائيل، التي تطالب بإسقاط حق العودة وحقوق اللاجئين.
وفي هذه اللحظات التاريخية تمثل هذه التطورات اختباراً للنظام الرسمي تجاه المشروع الصهيوني التوسعي، خاصة وان سقوط هذا المشروع على أرض الواقع لم يؤد بعد إلى تخلي إسرائيل عنه رسمياً، فلا يزال مشروع إسرائيل الكبرى مطبوعاً فوق نجمة داود وتحتها ضمن العلم الإسرائيلي، كما انه لا يزال مسكوكاً فوق عملاتها المعدنية.
يضاف إلى ذلك التطور الذي طرأ على الاستراتيجية العسكرية ونظرية الأمن الإسرائيلي ميدانياً، فالعدوان الأخير الذي قامت به على شرق السودان في يناير الماضي يعكس مطامع إسرائيل التوسعية، وكذلك أيضاً عملية التصعيد المتواصلة ضد المشروع النووي الإيراني، فإسرائيل لا تزال تمارس مشروعها التوسعي عسكرياً، ولا تزال تعتبره حلماً صهيونياً تطلق من أجله النظريات.
وضمن هذا الإطار يدخل المشروع الشرق أوسطي للرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، الذي يحقق لإسرائيل الهيمنة الاقتصادية على العرب عن طريق السلام، بعدما فشلت في ذلك عن طريق الحرب. وهذا المشروع ذاته هو ما روجت له إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، وفشلت فيه بفضل المقاومة وبشكل خاص حزب الله في لبنان، وحركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين. ولهذا فان محاصرة المقاومة أو معاداتها على أي صعيد لن تستفيد منه سوى إسرائيل التي ترتوي أطماعها بخلافات العرب واحتراباتهم.
أحمد الكناني