قبل أسبوع غادر بابا الفاتيكان المنطقة العربية، بعد رحلة حج تحولت من دينية إلى سياسية، فالبابا بشخصه وصفته رجل دين وسياسية، فهو ممثل الكنيسة الكاثوليكية وراعي دولة الفاتيكان، ومن ثم فإن هذه الازدواجية الجدلية أمر طبيعي مع كل بابا، لكنها تلتصق الآن أكثر بشخص بندكتوس السادس عشر، منذ انتخابه لمنصبه في 19 ابريل 2005، حتى أن خصومه وظفوا مولده ونشأته وسجله والكنسي للنيل منه على الصعيدين.
ولد البابا بنيديكت، واسمه الحقيقي جوزيف راتسينجر في مقاطعة بافاريا الألمانيه في العام 1927، لأسرة زراعية. وفي شبابه انضم إلى شبيبة هتلر، وهي تنظيم عسكري حارب ضد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وبعد هزيمة ألمانيا إتجه إلى دراسة الفلسفة واللاهوت في ميونخ من عام 1947 إلى عام 1951، وصار كاهنا ثم قسيسا، وتنقل بين العديد من كنائس بافاريا. وبعد حصوله على درجة الأستاذية في اللاهوت مارس التدريس في جامعات بون ومونستر وتوينكن وريجنسبورج.
وفي العام 1977 عين رئيسا لأساقفة ميونخ، واستمر حتى انتقاله إلى الفاتيكان في العام 1981. ومنذ ذلك التاريخ ظل الأقرب إلى البابا يوحنا بولس الثاني ومحل ثقته، مما أهله لتولي مهمة الإشراف على هيئة مراقبة نقاء الكاثوليكية، وهي الهيئة المنوطة بها مقاومة كل مظاهر الخروج على تعاليم الفاتيكان. ومن هذا المنصب قام بندكتوس بمهام اعتبرها مقدسة، ومنها اصطدامه مع أتباع «لاهوت التحرير».
فور اختياره للباباوية تعرض بنيديكت لحملة شديدة من جانب الجماعات اليهودية، ومن جانب بعض الكنائس اللاتينية التي آمنت بـ «لاهوت التحرير»، فاليهود اتهموه بالمشاركة في جرائم النازية ضدهم من خلال شبيبة هتلر، واللاتينيون اعتبروه المطرقة التي هدمت جهودهم لتجديد الكاثوليكية. وقد نفذ إليه اليهود من ماضيه وعمدوا إلى ابتزازه، لذا قدم لإسرائيل كثيرا من التنازلات، مثلما حدث في زيارته الأخيرة.
ويمثل الجانب الصراعي غير المتسامح سمة ظاهرة في شخصية بابا الفاتيكان، تجاه الأديان المغايرة، بل والمذاهب المسيحية الأخرى، لذا لم يكن غريبا تصادمه المبكر مع الإسلام فنسب إلى رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه، وذلك في محاضرة ألقاها في جامعة ريجنسبورج في سبتمبر 2006. فأثار موجة غضب عارمة في العالم الإسلامي، دعاه فيها شيوخ الإسلام وعلماؤه إلى الاعتذار، وقد توقع كثيرون أن يقدم على هذه الخطوة في زيارة الحج، لكنه حضر وغادر من دون أن يفعل.
وفي سياق هذه الصراعية يميل البابا إلى قمع الآخر، فمثلما فعل مع «لاهوت التحرير» شكك في الكنيستين الأرثوذوكسية الشرقية والبروتستانتية واصطدم معهما، إذ دمغهما في منتصف يوليو 2007 بالنقصان، معتبرا الكاثوليكية هي المكتملة الوحيدة، وهو ما استنفر البابا شنودة بطريرك الكنيسة الأرثوذوكسية المصرية واستفزه فوصف بندكتوس في تصريحات له بأنه رجل يكسب في كل مرة أعداء جددا، فمن قبل خسر المسلمين ثم سعى ليخسر الطوائف المسيحية الأخرى (الأهرام المصرية ـ 14 يوليو2007).
ووسط هذا التأزم مع الآخر، تواجه الكاثوليكية تحديات عاتية من داخلها، وفي مقدمتها ظاهرتا تفشي الانحرافات الجنسية وانحسار المؤمنين بها. وفي الولايات المتحدة دفعت الكنيسة تعويضات تقدر بملياري دولار بسبب انحرافات جنسية ارتكبها كهنة ضد أطفال.
ويقدر عدد رجال الكنيسة المتورطين في هذه الجرائم بنحو أربعة آلاف كاهن (بي. بي. سي ـ 20 أبريل 2008)، وفي استراليا تضم القائمة 107 أطفال اعتدى عليهم رجال دين (الجزيرة نت ـ 19 يوليو 2008).
وعلى الصعيد الإيماني، كشف نبيل عبد الفتاح الباحث بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية أن الكنيسة الكاثوليكية خسرت في الولايات المتحدة نحو 7% من المؤمنين بها (الأهرام 24 أبريل 2008)، ووفق دراسة أجرتها جامعة جورج تاون، فإن عدد الكهنة الكاثوليك في الولايات المتحدة انخفض من 58 ألفا عام 1965 إلى 41 ألفا عام2007، نظرا لتراجع شعبية الكنيسة وإغلاق بعض مؤسساتها في المناطق الفقيرة (الجزيرة نت 20 أبريل 2008). وهذه المشكلات والتحديات مجتمعة تضع الكنيسة الكاثوليكية أمام مستقبل مبهم، وليس معلوما بعد مدى قدرة البابا بندكتوس على مواجهته.
أحمد الكناني